محمد جمال الدين القاسمي

140

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

وهذ يدلّ على أنه لا يكفي مجرد عقد التحليل الذي لا غرض للزوج والزوجة فيه سوى صورة العقد وإحلالها للأول بطريق الأولى . فإنه إذا كان عقد الرغبة المقصود للدوام غير كاف حتى يوجد فيه الوطء ، فكيف يكفي عقد تيس مستعار ليحلها ، لا رغبة له في إمساكها وإنما هو عارية كحمار الفرس المستعار للضراب ؟ . وقال - عليه الرحمة - قبل ذلك : وأما نكاح المحلل ، ففي ( الترمذي ) « 1 » و ( المسند ) « 2 » من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه مرفوعا : « لعن اللّه المحلل والمحلل له » ، قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح . وفي ( المسند ) « 3 » من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه مرفوعا : « لعن اللّه المحلل المحلل له » ، وإسناده حسن . وفيه عن علي رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم مثله . و في ( سنن ابن ماجة ) « 4 » من حديث عقبة بن عامر - رضي اللّه عنه - قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ألا أخبركم بالتيس المستعار ؟ قالوا : بلى يا رسول اللّه ! قال : هو المحلل ، لعن اللّه المحلل والمحلل له » . فهؤلاء الأربعة من سادات الصحابة رضي اللّه عنهم ، وقد شهدوا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بلعنه أصحاب التحليل ، وهم المحلل والمحلل له . وهذا : إمّا خبر عن اللّه فهو خبر صدق . وإمّا دعاء مستجاب قطعا . وهذا يفيد أنه من الكبائر الملعون فاعلها . ولا فرق عند أهل المدينة وأهل الحديث وفقهائهم بين اشتراط ذلك بالقول أو بالتواطؤ والقصد . فإنّ القصود في العقود عندهم معتبرة . والأعمال بالنيات . والشرط المتواطأ عليه الذي دخل عليه المتعاقدان كالملفوظ عندهم . والألفاظ لا تراد لعينها بل للدلالة على المعاني ، فإذا ظهرت المعاني والمقاصد فلا عبرة بالألفاظ لأنها وسائل قد تحققت غاياتها فترتب عليها أحكامها . وقد ساق ابن كثير الأحاديث الواردة في ذلك : منها ما قدمناه ، ومنها ما رواه الحاكم في ( مستدركه ) : عن نافع قال : جاء رجل إلى ابن عمر . فسأله عن رجل طلّق امرأته ثلاثا فتزوجها أخ له . من غير مؤامرة منه ، ليحلّها لأخيه : هل تحل للأول ؟ فقال لا . إلّا نكاح رغبة . كنا نعدّ هذا سفاحا على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . ثم قال : هذا

--> ( 1 ) أخرجه الترمذيّ في : النكاح ، 28 - باب ما جاء في المحلل والمحلل له . ( 2 ) أخرجه الإمام أحمد في المسند 1 / 448 . ( 3 ) أخرجه الإمام أحمد في المسند 2 / 323 . ( 4 ) أخرجه ابن ماجة في : النكاح ، 33 - باب المحلل والمحلل له ، حديث 1936 .