محمد جمال الدين القاسمي
14
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 182 ] فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 182 ) فَمَنْ خافَ أي توقّع وعلم ، وهذا في كلامهم شائع ، ويقولون : أخاف أن ترسل السماء ، يريدون التوقع والظّن الغالب ، الجاري مجرى العلم مِنْ مُوصٍ جَنَفاً ميلا عن الحقّ ، بالخطإ في الوصية ، والتصرف فيما ليس له أَوْ إِثْماً أي : ميلا فيها عمدا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ أي : بينه وبين الموصى لهم - وهم الوالدان والأقربون - بإجرائهم على طريق الشرع . قال ابن جرير : بأن يأمره بالعدل في وصيته ، وأن ينهاهم عن منعه فيما أذن له فيه وأبيح له . فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ أي : بهذا التبديل ، لأن تبديله تبديل باطل إلى حقّ ! - إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ قال ابن جرير : أي غفور للموصي - فيما كان حدّث به نفسه من الجنف والإثم إذا ترك أن يأثم ويجنف في وصيته - فتجاوز له عما كان حدّث به نفسه من الجور إذ لم يمض ذلك ، رَحِيمٌ بالمصلح بين الوصيّ وبين من أراد أن يحيف عليه لغيره أو يأثم فيه له . . ! تنبيه : ( ما أفادته الآية من فرضية الوصية للوالدين والأقربين ) ذكر بعضهم : أنه كان واجبا قبل نزول آية المواريث . فلمّا نزلت آية الفرائض نسخت هذه وصارت المواريث المقدّرة فريضة من اللّه يأخذها أهلوها حتما من غير وصية ولا تحمّل منّة الموصي . ولهذا جاء في الحديث « 1 » - الذي في السنن وغيرها - عن عمرو بن خارجة قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يخطب وهو يقول : « إنّ اللّه قد أعطى كلّ ذي حقّ حقه ، فلا وصيّة لوارث . . ! » . ونصّ الإمام الشافعي على أنّ هذا المتن متواتر ، فقال : وجدنا أهل الفتيا ومن حفظنا عنهم من أهل العلم بالمغازي من قريش وغيرهم لا يختلفون في أنّ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال عام الفتح : « لا وصية لوارث » . ويأثرونه عمّن حفظوه عنه ممّن لقوه من أهل العلم ، فكان نقل كافة عن كافة . فهو أقوى من نقل واحد .
--> ( 1 ) أخرجه الترمذيّ في : الوصايا ، 5 - باب ما جاء لا وصية لوارث .