محمد جمال الدين القاسمي

103

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

يومين فتح الكتاب فوجد فيه : إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل بنخلة - بين مكة والطائف - فترصد بها عيرا لقريش ، وتعلم لنا من أخبارهم ، فقال : سمعا وطاعة ! وأخبر أصحابه بذلك وبأنّه لا يستكرههم ، فمن أحبّ الشهادة فلينهض ، ومن كره الموت فليرجع ، فأمّا أنا فناهض ! فنهضوا كلّهم . فلما كان في أثناء الطريق أضلّ سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيرا لهما كانا يتعقبانه . فتخلفا في طلبه . فبعد عبد اللّه بن جحش حتى نزل بنخلة ، فمرّت به عير لقريش تحمل زبيبا وأدما وتجارة ، فيها عمرو بن الحضرميّ ، وعثمان ونوفل ابنا عبد اللّه بن المغيرة ، والحكم بن كيسان مولى بني المغيرة . فتشاور المسلمون وقالوا : نحن في آخر يوم من رجب . لئن تركتم القوم هذه الليلة ليدخلنّ الحرم فليمتنعن منكم به ، ولئن قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام ! فتردد القوم وهابوا الإقدام عليهم ، ثم شجعوا أنفسهم عليهم ، وأجمعوا على مقاتلتهم ، فرمى أحدهم عمرو بن الحضرميّ فقتله ، وأسروا عثمان والحكم ، وأفلت نوفل فأعجزهم ، ثم أقبل عبد اللّه بن جحش وأصحابه بالعير والأسيرين حتى قدموا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقد عزلوا من ذلك الخمس - وهو أول خمس كان في الإسلام ، وأول قتيل في الإسلام ، وأول أسيرين في الإسلام - فأنكر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ما فعلوه واشتد تعييب قريش وإنكارهم ذلك . وزعموا أنهم قد وجدوا مقالا فقالوا : قد أحلّ محمد الشهر الحرام ! ، واشتد ذلك على المسلمين حتى أنزل اللّه تعالى يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ . . . . الآية . وقوله تعالى : قِتالٍ فِيهِ بدل من الشهر ، بدل الاشتمال ، لأنّ القتال يقع في الشهر . وقال الكسائيّ : وهو مخفوض على التكرير . يريد أن التقدير : عن قتال فيه . وهو معنى قول الفراء : مخفوض ب ( عن ) مضمرة . وهذا ضعيف جدا لأن حرف الجرّ لا يبقى عمله بعد حذفه في الاختيار . . ! وقال أبو عبيدة : هو مجرور على الجوار . وهو أبعد من قولهما ، لأنّ الجوار من مواضع الضرورة والشذوذ ولا يحمل عليه ما وجدت عنه مندوحة . وفيه يجوز أن يكون نعتا ل ( قتال ) ، ويجوز أن يكون متعلقا به كما يتعلق ب ( قاتل ) . وقد قرئ بالرفع في الشاذ ، ووجهه على أن يكون خبر مبتدأ محذوف معه همزة الاستفهام تقديره : أجائز قتال فيه ؟ . قُلْ في جوابهم قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ أي : أمر كبير مستنكر ؛ وقد كانت