محمد جمال الدين القاسمي
101
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
مصادر . قال الأزهريّ : وقد أجمع كثير من أهل اللغة : أنّ ( الكره والكره ) لغتان ، فبأيّ لغة وقع فجائز . إلا الفراء فإنه فرق بينهما بأنّ ( الكره ) بالضمّ ما أكرهت نفسك عليه ، وبالفتح : ما أكرهك غيرك عليه . تقول : جئتك كرها ، وأدخلتني كرها . وقال ابن سيده : الكره : الإباء والمشقة تتكلفها فتحتملها ، وبالضمّ : المشقة تحتملها من غير أن تكلفها . يقال : فعل ذلك كرها وعلى كره . قال ابن برّي : ويدل لصحة قول الفراء قول اللّه عزّ وجلّ : وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً [ آل عمران : 83 ] ، ولم يقرأ أحد بضم الكاف . وقال سبحانه : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ، ولم يقرأ أحد بفتح الكاف . فيصير ( الكره ) بالفتح . فعل المضطر ، و ( الكره ) بالضمّ : فعل المختار . وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً - كالجهاد في سبيل اللّه تعالى - وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إذ فيه إحدى الحسنيين : إمّا الظفر والغنيمة ، وإمّا الشهادة والجنة وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً - كالقعود عن الغزو - وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ لما فيه من الذل والفقر وحرمان الغنيمة والأجر وَاللَّهُ يَعْلَمُ - ما هو خير لكم وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ذلك . فبادروا إلى ما يأمركم به وإن شقّ عليكم فهو رؤوف بالعباد لا يأمرهم إلا بخير . قال الحرّالي : فنفي العلم عنهم بكلمة ( لا ) أي : التي هي للاستقبال حتى تفيد دوام الاستصحاب . وما أوتيتم من العلم إلّا قليلا . قال : من حيث رتبة هذا الصنف من الناس من الأعراب وغيرهم ، وأما المؤمنون - أي : الراسخون - فقد علّمهم اللّه من علمه ما علموا أنّ القتال خير لهم وأنّ التخلف شرّ لهم . حتى إنّ علمهم ذلك أفاض على ألسنتهم ما يفيض الدموع وينير القلوب ، حتى شاورهم النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في التوجه إلى غزوة بدر ، فقام أبو بكر رضي اللّه عنه فقال وأحسن ثم قام عمر رضي اللّه عنه فقال وأحسن ، ثم قام المقداد بن عمرو رضي اللّه عنه فقال : يا رسول اللّه امض لما أمرك اللّه ، فنحن معك ، واللّه ! لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى : فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ [ المائدة : 24 ] ، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون ! فوالذي بعثك بالحقّ لو سرت إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه . . ! فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خيرا ودعا له ، ثم قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : أشيروا عليّ أيها الناس ! فقال له سعد بن معاذ الأنصاريّ رضي اللّه عنه : واللّه ! لكأنّك تريدنا يا رسول اللّه ! قال : أجل . قال : فقد آمنّا بك وصدّقناك ، وشهدنا أنّ ما جئت به هو الحقّ ، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا