محمد جمال الدين القاسمي
479
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
من كلّمته فقد استدعيت كلامه ؛ فكأنه قيل : لا يستدعي كلامهم نحو قوله لا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ [ المرسلات : 36 ] . وَلا يُزَكِّيهِمْ أي : يطهرهم من دنس الذنوب لغضبه عليهم لأنهم كتموا ، وقد علموا ، فاستحقّوا الغضب وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ أي : مؤلم . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 175 ] أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ( 175 ) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى أي : استبدلوا إضلال أنفسهم وغيرهم - من الكتمان والتحريف - بالاهتداء وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ أي : أسبابه بأسبابها . ولما جعل سبحانه أول مأكلهم نارا ، وآخر أمرهم عذابا ، وترجمة حالهم عدم المغفرة ، فكان بذلك أيضا أوسط حالهم نارا - سبب عنه التعجيب من أمرهم : بحبسهم أنفسهم في ذلك الذي هو معنى الصبر ، لالتباسهم بالنار حقيقة أو بموجباتها من غير مبالاة ، فقال فَما أَصْبَرَهُمْ - أي : ما أشد حبسهم أنفسهم ، أو ما أجرأهم - عَلَى النَّارِ التي أكلوها في الدنيا فأحسوا بها في الأخرى - نقله البقاعيّ - . ثم قال : وإذا جعلته مجازا ، كان مثل قولك لمن عاند السلطان : ما أصبرك على السجن الطويل والقيد الثقيل ؟ تهديدا له . تريد أنّه لا يتعرض لذلك إلّا من هو شديد الصبر على العذاب . وقد روي عن الكسائي أنه قال : قال لي قاضي اليمن بمكة : اختصم إليّ رجلان من العرب ، فحلف أحدهما على حقّ صاحبه فقال له : ما أصبرك على اللّه ! أي ما أصبرك على عذاب اللّه . نقله الزمخشريّ . قال الراغب : وقد يوصف بالصبر من لا صبر له اعتبارا بالناظر إليه ، وتصوّر أنّه صابر ، واستعمال لفظ التعجّب في ذلك اعتبارا بالخلق لا بالخالق . ثم ذكر تعالى السبب الموجب لهذا الإبعاد العظيم بقوله :