محمد جمال الدين القاسمي

472

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

الراعي أكثر من الصوت ، فأضاف التشبيه إلى الراعي والمعنى في المرعيّ . قال : ومثله في الكلام ( فلان يخافك كخوف الأسد ) المعنى كخوفه الأسد ، لأنّ الأسد معروف أنه المخوف . وقيل : أريد تشبيه حال الكافر - في دعائه الصنم - بحال من ينعق بما لا يسمعه . والمعنى : مثل هؤلاء في دعائهم آلهتهم - التي لا تفقه دعاءهم - كمثل الناعق بغنمه فلا ينتفع من نعيقه بشيء ، غير أنّه هو في دعاء ونداء . وكذلك المشرك ليس له من دعائه وعبادته إلّا العناء . وقال ابن القيّم في ( أعلام الموقعين ) : ولك أن تجعل هذا من التشبيه المركّب ، وأنّ تجعله من التشبيه المفرّق . فإن جعلته من المركّب : كان تشبيها للكفّار - في عدم فقههم وانتفاعهم - بالغنم التي ينعق بها الراعي فلا تفقه من قوله شيئا غير الصوت المجرّد الذي هو الدعاء والنداء . وإن جعلته من التشبيه المفرّق : فالذين كفروا بمنزلة البهائم ، ودعاء داعيهم إلى الطريق والهدى بمنزلة الذي ينعق بها ، ودعاؤهم إلى الهدى بمنزلة النعق ، وإدراكهم مجرّد الدعاء والنداء كإدراك البهائم مجرّد صوت الناعق . واللّه أعلم . قال الرازيّ : اعلم أنّه تعالى - لمّا حكى عن الكفار أنهم عند الدعاء إلى اتّباع ما أنزل اللّه : تركوا النظر والتدبّر ، وأخلدوا إلى التقليد ، وقالوا : بل نتّبع ما ألفينا عليه آباءنا - ضرب لهم هذا المثل - تنبيها للسامعين لهم - إنهم إنما وقعوا فيما وقعوا فيه : بسبب ترك الإصغاء ، وقلّة الاهتمام بالدين ، فصيرهم - من هذا الوجه - بمنزلة الأنعام . . . ! ومثل هذا المثل يزيد السامع معرفة بأحوال الكفّار ، ويحقّر إلى الكافر نفسه إذا سمع ذلك ، فيكون كسرا لقلبه ، وتضييقا لصدره - حيث صيّره كالبهيمة - فيكون في ذلك نهاية الزجر والردع لمن يسمعه عن أن يسلك مثل طريقه في التقليد . ثمّ زاد في تبكيتهم فقال صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ فهم بمنزلة الصمّ : في أنّ الذي سمعوه كأنهم لم يسمعوه ، وبمنزلة البكم : في أنهم لم يستجيبوا لما دعوا إليه ، وبمنزلة العمي : من حيث إنهم أعرضوا عن الدلائل فصاروا كأنهم لم يشاهدوها . ولمّا كان طريق اكتساب العقل المكتسب هو الاستعانة بهذه القوى الثلاثة ، فلمّا أعرضوا عنها ، فقدوا العقل المكتسب . ولهذا قيل : من فقد حسّا فقد علما . . !