محمد جمال الدين القاسمي
462
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
الذين يتبعونهم فيما يأتون وما يذرون ، لا سيما في الأوامر والنواهي . ورجح هذا ، لأنه تعالى ذكر بعد هذه الآية إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا [ البقرة : 166 ] وذلك لا يليق إلّا بمن اتخذ الرجال أندادا وأمثالا للّه تعالى يلتزمون من تعظيمهم والانقياد لهم ما يلتزمه المؤمنون من الانقياد للّه تعالى وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ من المشركين لأندادهم ، لأنّ أولئك أشركوا في المحبة ، والمؤمنون أخلصوها كلّها للّه ، ولأنهم يعلمون أن جميع الكمالات له ومنه ، ولأنهم لا يعدلون عنه إلى غيره ، بخلاف المشركين فكانوا يعبدون الصنم زمانا ثم يرفضونه إلى غيره أو يأكلونه ، كما أكلت باهلة إلهها من حيس ، عام المجاعة . قال العلامة ابن القيم رحمه اللّه في ( شرح المنازل ) في باب التوبة : أما الشرك فهو نوعان : أكبر وأصغر . فالأكبر لا يغفره اللّه إلّا بالتّوبة ، وهو أن يتخذ من دون اللّه ندّا يحبه كما يحب اللّه تعالى ، وهو الشرك الذي تضمن تسوية آلهة المشركين برب العالمين ، ولذا قالوا لآلهتهم في النار تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ [ الشعراء : 97 - 98 ] مع إقرارهم بأن اللّه تعالى وحده خالق كلّ شيء ، وربّه ، ومليكه ، وأن آلهتهم لا تخلق ولا ترزق ولا تميت ولا تحيي ، وإنما كانت هذه التسوية في المحبة ، والتعظيم ، والعبادة ، كما هو حال أكثر مشركي العالم . . ! بل كلّهم يحبون معبوديهم ، ويعظمونها ، ويوادّونها من دون اللّه تعالى . . ! وكثير منهم - بل أكثرهم - يحبون آلهتهم أعظم من محبة اللّه تعالى . . ! ويستبشرون بذكرهم أعظم من استبشارهم إذا ذكر اللّه تعالى . . ! ويغضبون بتنقص معبوديهم وآلهتهم من المشايخ أعظم ما يغضبون إذا انتقص أحد ربّ العالمين . . ! وإذا انتقصت حرمات آلهتهم ومعبوديهم غضبوا غضب الليث أو الكلب . . ! وإذا انتهكت حرمات اللّه تعالى لم يغضبوا لها . بل إذا قام المنتهك لها بإطعامهم شيئا رضوا عنه ولم تنكر له قلوبهم . . ! قد شاهدنا نحن وغيرنا هذا منهم . . . انتهى . وقال الإمام تقي الدين أحمد بن عليّ المقريزيّ رحمه اللّه : ومن أجلّ الشرك ، وأصله الشرك في محبة اللّه ، قال تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ . . . الآية ، فأخبر سبحانه أنّ من أحبّ مع اللّه شيئا غيره ، كما يحبه ، فقد اتخذ ندّا من دونه ! وهذا على أصح القولين في الآية أنهم يحبونهم كما يحبون اللّه ، وهذا هو العدل المذكور في قوله تعالى : ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [ الأنعام : 1 ] ، والمعنى على أصحّ القولين : أنهم يعدلون به