محمد جمال الدين القاسمي
456
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
الآية على أنّ هذا الكتمان من الكبائر ، لأنه تعالى أوجب فيه اللعن ، لأنّ ما يتصل بالدين ويحتاج إليه المكلّف لا يجوز أن يكتم ، ومن كتمه فقد عظمت خطيئته ، وبلغ للعنه من الشقاوة والخسران الغاية التي لا يدرك كنهها . . ! وقد وردت أحاديث كثيرة في النهي عن كتمان العلم . وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال « 1 » : لولا آيتان أنزلهما اللّه في كتابه ما حدّثت شيئا أبدا إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ . . . [ البقرة : 159 ] الآية ، وقوله : وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ . . [ آل عمران : 187 ] الآية . ثم استثنى تعالى من هؤلاء من تاب إليه فقال : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 160 ] إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( 160 ) إِلَّا الَّذِينَ تابُوا - أي عن الكتمان - وَأَصْلَحُوا - أي عملوا صالحا - وَبَيَّنُوا - ما كانوا كتموه فظهرت توبتهم بالإقلاع - فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ - أي أقبل توبتهم بإفاضة المغفرة والرحمة عليهم - وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ . ثم أخبر تعالى عمن كفر به واستمرّ به الحال إلى كفره بقوله : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 161 إلى 162 ] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ( 161 ) خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ( 162 ) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ خالِدِينَ فِيها
--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : العلم ، 42 - باب حفظ العلم ، حديث 102 ونصه : عن أبي هريرة قال : إن الناس يقولون : أكثر أبو هريرة . ولولا آيتان في كتاب الله ما حدثت حديثا . ثم يتلو : إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ ، إلى قوله : الرَّحِيمُ . إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق . وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم . وإن أبا هريرة كان يلزم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لشبع بطنه ، ويحضر ما لا يحضرون ، ويحفظ ما لا يحفظون .