محمد جمال الدين القاسمي
439
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
أنه لا يثبت لهم الحياة التي بها النموّ والغذاء ، ولا الحياة التي بها الحس . فإن فقدانهما عن الميت محسوس ومعقول . فبعض المفسرين اعتبر الحياة المختصة بالإنسان . وقال : إن هذه الحياة مخصصة بالقوة المسماة تارة الروح وتارة النفس . قال : والموت المشاهد هو مفارقة هذه القوة ، التي هي الروح . البدن . فمتى كان الإنسان محسنا كان منعّما بروحه مسرورا لمكانه إلى يوم القيامة . وإن كان مسيئا كان به معذبا . وإلى هذا ذهب الحكماء ودلوا عليه بالبراهين والأدلة . وهو مذهب أصحاب الحديث . ويدل على صحته الأخبار والآيات المروية عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . بل إليه ذهب أصحاب الملل كلها . ومما دل على صحته خبرا « الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف » « 1 » وما روي عن أمير المؤمنين رضي الله عنه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « إن اللّه خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام » « 2 » و روي أنه لما قتل من قتل من صناديد قريش - يوم بدر - وجمعوا في قليب ، أقبل النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فخاطبهم بقوله « هل وجدتم ما وعد ربكم حقّا ؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقا » قيل : يا رسول الله ! أتخاطب جيفا ؟ فقال : « ما أنتم بأسمع منهم ، ولو قدروا لأجابوا » إلى غير ذلك من الأخبار . وقال تعالى في آل فرعون : النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وهذا يعني به قبل يوم القيامة ، لأنه قال في آخر الآية وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ [ غافر : 46 ] . انتهى . وفي البيضاويّ وحواشيه : « إن إثبات الحياة للشهداء في زمان بطلان الجسد ، وفساد البنية ، ونفي الشعور بها - دليل على أنّ حياتهم ليست الجسد ، ولا من جنس حياة الحيوان ، لأنها بصحة البنية ، واعتدال المزاج وإنما هي أمر يدرك بالوحي لا بالعقل » انتهى . وقد جاء الوحي ببيان حياتهم - كما أسلفنا - قال الإمام ابن القيم رحمه الله
--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : الأنبياء ، 2 - باب الأرواح جنود مجندة ، عن عائشة رضي اللّه عنها قالت : سمعت النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يقول . . . حديث 1576 . ( 2 ) أخرجه مسلم في صحيحه في : الجنة وصفة نعيمها وأهلها ، حديث 77 ونصه : عن أنس بن مالك أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ترك قتلى بدر ثلاثا . ثم أتاهم فقام عليهم فناداهم فقال « يا أبا جهل بن هشام ! يا أمية بن خلف ! يا عتبة بن ربيعة ! يا شيبة بن ربيعة ! أليس قد وجدتم ما وعد ربكم حقا ؟ فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقا » . فسمع عمر قول النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : يا رسول اللّه ! كيف يسمعوا وأنَّى يجيبوا وقد جيّفوا ؟ قال « والذي نفسي بيده ! ما أنتم بأسمع لما أقول منهم . ولكنهم لا يقدرون أن يجيبوا » . ثم أمر فسحبوا . فألقوا في قليب بدر .