محمد جمال الدين القاسمي

436

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

واعلم أن ذكر الله تعالى تارة يكون لعظمته ، فيتولد منه الهيبة والإجلال . وتارة يكون لقدرته فيتولد منه الخوف والحزن . وتارة لنعمته فيتولد منه الشكر ، ولذلك قيل : ذكر النعمة شكرها . وتارة لأفعاله الباهرة فيتولد منه العبر . فحق المؤمن أن لا ينفك أبدا عن ذكره تعالى على أحد هذه الأوجه . وقوله تعالى وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ فيه أمر بشكره على نعمه وعدم جحدها ( فالكفر هنا ستر النعمة لا التكذيب ) . وقد وعد تعالى على شكره بمزيد الخير فقال : وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ، وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ [ إبراهيم : 7 ] قال ابن عطية : اشكروا لي واشكروني بمعنى واحد . و « لي » أفصح وأشهر مع الشكر . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 153 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ( 153 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ أرشد تعالى المؤمنين ، إثر الأمر بالشكر في الآية قبل ، بالاستعانة بالصبر والصلاة . لأن العبد إما أن يكون في نعمة فيشكر عليها . أو في نقمة فيصير عليها . كما جاء في الحديث « 1 » : عجبا للمؤمن لا يقضى له قضاء إلا كان خيرا له . إن أصابته سراء فشكر كان خيرا له . وإن أصابته ضراء فصبر كان خيرا له . وبيّن تعالى أن أجود ما يستعان به على تحمل المصائب في سبيل الله ، الصبر والصلاة . كما تقدم في قوله وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ [ البقرة : 45 ] ، وفي الحديث « 2 » : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان إذا حزبه أمر صلّى . ثم إن الصبر صبران : صبر على ترك المحارم والمآثم ، وصبر على فعل الطاعات والقربات . والثاني أكثر ثوابا . لأنه المقصود وأما الصبر الثالث ، وهو الصبر على المصائب والنوائب ، فذاك أيضا واجب . كالاستغفار من المعائب . وقال الإمام ابن تيمية في كتابه ( السياسة الشرعية ) وأعظم عون لوليّ الأمر خاصة ، ولغيره عامة ثلاثة أمور : أحدها الإخلاص لله ، والتوكل عليه بالدعاء وغيره .

--> ( 1 ) أخرج مسلم في صحيحه في : الزهد والرقائق ، حديث 64 ما نصه : عن صهيب قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « عجبا لأمر المؤمن . إن أمره كله خير . وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن . إن أصابته سراء شكر ، فكان خيرا له . وإن أصابته ضراء صبر ، فكان خيرا له » . و أخرج الإمام أحمد بن حنبل في مسنده 5 / 24 ما نصه : عن أنس بن مالك قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « عجبا للمؤمن ، لا يقضي اللّه له شيئا إلا كان خيرا له » . ( 2 ) أخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده 5 / 388 ، عن حذيفة .