محمد جمال الدين القاسمي

421

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ [ الأنعام : 148 ] ، فيؤمن أهل السنة بأن الله على كل شيء قدير . فيقدر أن يهدي العباد ويقلّب قلوبهم . وإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن . فلا يكون في ملكه ما لا يريد . ولا يعجز عن إنفاذ مراده . وإنه خالق كل شيء من الأعيان والصفات والحركات . ويؤمنون أن العبد له قدرة ومشيئة وعمل . وأنه مختار . ولا يسمونه مجبورا . إذ المجبور من أكره على خلاف اختياره . والله سبحانه جعل العبد مختارا لما يفعله . فهو مختار مريد . والله خالقه وخالق اختياره . وهذا ليس له نظير . فإن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله . وهم في باب الأسماء والأحكام والوعد والوعيد ، وسط بين الوعيدية الذين يجعلون أهل الكبائر من المسلمين مخلدين في النار ، ويخرجونهم من الإيمان بالكلية . ويكذبون بشفاعة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . وبين المرجئة الذين يقولون : إيمان الفساق مثل إيمان الأنبياء . والأعمال الصالحة ليست من الدين والإيمان . ويكذبون بالوعيد والعقاب بالكلية . فيؤمن أهل السنة والجماعة بأن فسّاق المسلمين معهم بعض الإيمان وأصله . وليس معهم جميع الإيمان الواجب الذي يستوجبون به الجنة . وأنهم لا يخلدون في النار بل يخرج منها من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان ، أو مثقال خردلة من إيمان . وأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ادّخر شفاعته لأهل الكبائر من أمته . وهم أيضا في أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ورضي عنهم ، وسط بين الغالية الذين يغالون في عليّ رضي الله عنه فيفضلونه على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، ويعتقدون أنه الإمام المعصوم دونهما ، وأن الصحابة ظلموا وفسقوا ، وكفروا الأمة بعدهم كذلك ، وربما جعلوه نبيا أو إلها . وبين الجافية الذين يعتقدون كفره وكفر عثمان رضي الله عنهما ، ويستحلون دماءهما ودماء من تولاهما . ويستحبون سب عليّ وعثمان ونحوهما . ويقدحون في خلافة عليّ رضي اللّه عنه وإمامته . وكذلك في سائر أبواب السنة هم وسط . لأنهم متمسكون بكتاب الله وسنة رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم وما اتفق عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان انتهى . وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها أي ما شرعنا القبلة ، كقوله تعالى : ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ [ المائدة : 103 ] أي ما شرعها . و الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها ليس بصفة للقبلة إنما هو ثاني مفعوليّ ( جعل ) أي وما جعلنا القبلة الجهة التي كنت عليها أي في مكة تستقبلها قبل الهجرة وهي الكعبة . يعني : وما رددناك إليها إلا امتحانا للناس وابتلاء . أو كُنْتَ عَلَيْها بمعنى صرت عليها الآن . كقوله تعالى