محمد جمال الدين القاسمي

417

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

تنبيهات : ( الأول ) . أستدل بالآية على أن الإجماع حجة . لأن الله تعالى وصف هذه الأمة بالعدالة . والعدل هو المستحق للشهادة وقبولها . فإذا اجتمعوا على شيء وشهدوا به لزم قبوله ، فإجماع الأمة حق . لا تجتمع الأمة . والحمد لله ، على ضلالة . كما وصفها الله بذلك في الكتاب فقال تعالى كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [ آل عمران : 110 ] ، وهذا وصف لهم بأنهم يأمرون بكل معروف وينهون عن كل منكر . كما وصف نبيهم صلّى اللّه عليه وسلّم بذلك في قوله الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ [ الأعراف : 157 ] ، وبذلك وصف المؤمنين في قوله وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [ التوبة : 71 ] ، فلو قالت الأمة في الدين بما هو ضلال ، لكانت لم تأمر بالمعروف في ذلك ، ولم تنه عن المنكر فيه . وقد جعلهم الله شهداء على الناس . وأقام شهادتهم مقام شهادة الرسول . وقد ثبت في الصحيح « 1 » عن عبد العزيز بن صهيب قال : سمعت أنس بن مالك رضي الله عنه فيقول : مرّوا بجنازة فأثنوا عليها خيرا فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « وجبت » ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شرا فقال « وجبت » . فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ما وجبت ؟ قال : هذا أثنيتم عليه خيرا فوجبت له الجنة ، وهذا أثنيتم عليه شرا فوجبت له النار ، أنتم شهداء الله في الأرض . وعند الحاكم أنه قرأ هذه الآية : وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ . . . إلى آخرها . فإذا كان الرب قد جعلهم شهداء ، لم يشهدوا بباطل . فإذا شهدوا أن الله أمر بشيء ، فقد أمر به . وإذا شهدوا أن الله نهى عن شيء فقد نهى عنه . ولو كانوا يشهدون بباطل أو خطأ لم يكونوا شهداء الله في الأرض . بل زكاهم الله في شهادتهم ، كما زكى الأنبياء فيما يبلغون عنه أنهم لا يقولون عليه إلا الحق ، وكذلك الأمة لا تشهد على الله إلا الحق . هذه نبذة من كلام الإمام ابن تيمية ، عليه الرحمة ، في الإجماع ، من بعض رسائله . ( الثاني ) مما يتعلق أيضا بهذا المقام ، ما قاله أيضا هذا الإمام في رسالته إلى جماعة عديّ بن مسافر . ونصه : فعصم الله هذه الأمة أن تجتمع على ضلالة ، وجعل

--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ : في الجنائز ، 86 - باب ثناء الناس على الميت .