محمد جمال الدين القاسمي

415

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

من الظلمات ، بما بلغكم من وحيه وأراكم من آياته . فعظمت المنة لله عليكم إذ أصبحتم مهتدين بعد الضلالة ، علماء بعد الجهالة . ففيه إشارة إلى تحذير المؤمنين من أن يزيغوا بعد الهدى ، كما زاغ أولئك الذين نعى عليهم ضلالتهم ، فتقوم عليهم الحجة كما قامت على أولئك . ( الوجه الثاني ) أن تكون اللام للتعليل ، على أصلها . والمعنى : جعلناكم أمة خيارا لتكونوا شهداء على الناس ، أي رقباء قوّاما عليهم بدعائهم إلى الحق وإرشادهم إلى الهدى وإنذارهم مما هم فيه من الزيغ والضلال . كما كان الرسول شهيدا عليكم بقيامه عليكم بما بلغكم وأمركم ونهاكم وحذركم وأنذركم . فتكون الآية نظير آية كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [ آل عمران : 110 ] ، وربما آثر هذا المعنى من قال : خير ما فسّر القرآن بالقرآن . لتماثل الآيتين بادئ بدء . فإن الوسط بمعنى الخيار . وقد صرح به في قوله خَيْرَ أُمَّةٍ وإلى هذا المعنى يشير قول مجاهد في الآية : لتكونوا شهداء لمحمد عليه السّلام على الأمم اليهود والنصارى والمجوس : أي شهداء على حقية رسالته . وذلك بالدعوة إليها والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو قطب الدعوة وروحها . وبعد كتابة هذا رأيت السمرقنديّ في تفسيره نقل خلاصة ما قلناه . وعبارته : وللآية تأويل آخر وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً أي عدولا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ إلخ يقول : إنكم حجة على جميع من خالفكم . ورسول الله عليه السلام حجة عليكم . والشهادة في اللغة هو البيان . ولهذا سمي الشاهد بينة لأنه يبيّن حق المدعي . يعني إنكم تبينون لمن بعدكم ، والنبيّ ، عليه السلام ، يبين لكم . انتهى . وأوضح ذلك الراغب الأصفهاني : بأسلوب آخر فقال : إن قيل : على أي وجه شهادة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على الأمة وشهادة الأمة على الناس ؟ قيل : الشاهد هو العالم بالشيء المخبر عنه مثبتا حكمه . وأعظم شاهد من ثبت شهادته بحجة . ولما خص الله تعالى الإنسان بالعقل والتمييز بين الخير والشر ، وكمله ببعثة الأنبياء ، وخصّ هذه الأمة بأتم كتاب ، كما وصفه بقوله ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ [ الأنعام : 38 ] ، وقوله وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ [ النحل : 89 ] ، فأفادناه عليه السلام وبينه لنا - صار حجة وشاهدا أن يقولوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ [ المائدة : 19 ] . وجعل أمته ، المتخصصة بمعرفته ، شهودا على سائر الناس . ( إن قيل ) هل أمته شهود كلهم أم بعضهم ؟ ( قيل ) كلهم ممكن من أن يكونوا شهداء . وذلك بشريطة أن