محمد جمال الدين القاسمي
399
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
وَيُزَكِّيهِمْ ، إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ هذا إخبار عن تمام دعوة إبراهيم لأهل الحرم أن يبعث الله فيهم رسولا منهم ، أي من ذرية إبراهيم ، وهم العرب من ولد إسماعيل . وقد أجاب الله تعالى لإبراهيم عليه السلام هذه الدعوة ، فبعث في ذريته رسول منهم ، وهو محمد ، صلّى اللّه عليه وسلّم ، إلى الناس كافة . وقد أخبر صلّى اللّه عليه وسلّم عن نفسه أنه دعوة إبراهيم . ومراده هذه الدعوة . وذلك فيما خرجه الإمام أحمد « 1 » عن العرباض بن سارية . قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : إني ، عند الله ، لخاتم النبيين ، وإن آدم عليه السلام لمنجدل في طينته ، وسأنبئكم بأول ذلك ، أنا دعوة أبي إبراهيم ، وبشارة عيسى بي ، ورؤيا أمي التي رأت ، وكذلك أمهات النبيين يرين . و أخرج أيضا نحوه عن أبي أمامة « 2 » ، قال : قلت : يا نبيّ الله ! ما كان أول بدء أمرك ؟ قال : دعوة أبي إبراهيم ، وبشرى عيسى بي ، ورأت أمي أنه يخرج منها نور أضاءت منها قصور الشام . والمراد أن أول من نوه بذكره وشهره في الناس إبراهيم عليه السلام ، ولم يزل ذكره في الناس مشهورا حتى أفصح باسمه عيسى ابن مريم ، عليهما السلام ، حيث قال إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [ الصف : 6 ] ، وهذ معنى قوله في الحديث : دعوة أبي إبراهيم ، وبشرى عيسى ابن مريم . وقوله فيه ، ورأت أمي أنه خرج منها نور أضاءت منها قصور الشام . قيل : كان منها ما رأته حين حملت به ، وقصته على قومها ، فشاع فيهم واشتهر بينهم ، وكان ذلك توطئة وإرهاصا . وتخصيص الشام بظهور نوره إشارة إلى استقرار دينه ونبوته ببلاد الشام ، ولهذا يكون الشام في آخر الزمان معقلا للإسلام وأهله ، وبها ينزل عيسى ابن مريم - إذا نزل بدمشق - بالمنارة الشرقية البيضاء منها . ولهذا جاء في الصحيحين « 3 » « لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق ، لا يضرهم
--> ( 1 ) أخرجه الإمام أحمد في مسنده ، 4 / 127 . ( 2 ) أخرجه الإمام أحمد في مسنده . 5 / 262 . ( 3 ) أخرج البخاري في : المناقب ، 3 - باب حدثني محمد بن المثنى عن المغيرة بن شعبة عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال « لا يزال ناس من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر اللّه وهم ظاهرون » . ورواه في : الاعتصام ، 10 - باب قول النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : لا تزال طائفة من أمتي . . إلخ ونصه : عن المغيرة بن شعبة عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال « لا يزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر اللّه وهم ظاهرون » . ورواه في : التوحيد ، 29 - باب قول اللّه تعالى : إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ . ونصه : عن المغيرة بن شعبة قال : سمعت النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يقول « لا يزال من أمتي قوم ظاهرين على الناس حتى يأتيهم أمر اللّه » . ورواه مسلم في : الإمارة حديث 171 . ونصه : عن المغيرة قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول « لن يزال قوم من أمتي ظاهرين على الناس ، حتى يأتيهم أمر اللّه ، وهم ظاهرون » .