محمد جمال الدين القاسمي

397

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

معلما أن شمول الرحمانية بأمن الدنيا ورزقها لجميع عمرة الأرض وَمَنْ كَفَرَ أي أنيله أيضا ما ألهمتك من الدعاء بالأمن والرزق ، فهو عطف على مفعول فعل محذوف ، دلّ الكلام عليه . ويجوز أن تكون مِنَ مبتدأ موصولة أو شرطية . وقوله فَأُمَتِّعُهُ خبره أو جوابه . وعبر عن رزقه بالمتعة التي هي الزاد القليل والبلغة ، تخسيسا له ، وأكد ذلك بقوله قَلِيلًا تمتيعا قليلا ، أو زمانا قليلا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ أي ألجئه إليه كما قال تعالى : يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا [ الطور : 13 ] ، و يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ [ القمر : 48 ] وقرئ فأمتعه قليلا ثم اضطره ، بلفظ الأمر فيهما على أنهما من دعاء إبراهيم عليه السلام ، وفي قالَ ضميره وَبِئْسَ الْمَصِيرُ النار أو عذابها . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 127 ] وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 127 ) وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ أي اذكر بناءهما البيت ورفعهما القواعد منه . وصيغة الاستقبال لحكاية الحال الماضية ، لاستحضار صورتها العجيبة والقواعد : جمع قاعدة ، وهي الأساس والأصل لما فوقه ، وقال الزجاج : القواعد : أساطين البناء التي تعمده رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا على إرادة القول أي يقولان ، وترك مفعول تَقَبَّلْ ليعم الدعاء وغيره من القرب والطاعات ، التي من جملتها ما هما بصدده من البناء . كما يعرب عنه جعل الجملة الدعائية حالية إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ لدعائنا الْعَلِيمُ بضمائرنا ونياتنا . وفي صحيح البخاريّ « 1 » عن ابن عباس في حديث مجيء إبراهيم لتفقد إسماعيل عليهما السلام ، ثم قال : يا إسماعيل ! إن الله قد أمرني بأمر ، قال : فاصنع ما أمرك ربك ، قال : وتعينني ؟ قال : وأعينك . قال : فإن الله أمرني أن أبني هاهنا بيتا ، وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها . قال : فعند ذلك رفعا القواعد من البيت ، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة ، وإبراهيم يبني ، حتى إذا ارتفع البناء ، جاء بهذا الحجر ، فوضعه له ، فقام عليه وهو يبني ، وإسماعيل يناوله الحجارة ، وهما يقولان : رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ . قال فجعلا يبنيان حتى يدورا حول البيت وهما يقولان : ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في : الأنبياء ، 9 - باب يزفون .