محمد جمال الدين القاسمي
371
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
القرآن - أَوْ نُنْسِها أي : نذهبها من القلوب - كما أخبر بقوله وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ [ المائدة : 13 ] - وقرئ ( أو ننسأها ) أي نؤخرها ونتركها بلا نسخ ، كما أبقى كثيرا من أحكام التوراة في القرآن . وعلى هذه القراءة ، فقد نشر على ترتيب هذا اللف قوله نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أي : من المنسوخة المبدلة - كما فعل في الآيات التي شرعت في الملّة الحنيفية ما فيه اليسر ، ورفع الحرج ، والعنت - فكانت خيرا من تلك الآصار والأغلال . وقوله أَوْ مِثْلِها أي : مثل تلك الآيات الموحاة قبل ، كما يرى في كثير من الآيات في القرآن الموافقة لما بين يديها مما اقتضت الحكمة بقاءه واستمراره . قال الراغب : فإن قيل : إن الذي ترك ولم ينسخ ليس مثله بل هو هو ، فكيف قال « بمثلها » ؟ قيل : الحكم الذي أنزل في القرآن - وكان ثابتا في الشرع الذي قبلنا - يصحّ أن يقال هو هو ، إذا اعتبر بنفسه ولم يعتبر بكسوته - التي هي اللفظ . ويصح أن يقال هو مثله إذا لم يعتبر بنفسه فقط بل اعتبر باللفظ . ونحو ذلك أن يقال : ماء البئر هو ماء النهر - إذا اعتبر جنس الماء ، وتارة يقال : مثل ماء النهر - إذا اعتبر قرار الماء . على أنّ إرادة العين بالمثل شائعة - كما في قولهم : مثلك لا يبخل - أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فهو يقدر على الخير ، وما هو خير منه ، وعلى مثله في الخير . قال الراغب : أي لا تحسبنّ أنّ تغييري لحكم ، حالا فحالا ، وأني لم آت بالثاني في الابتداء - هو العجز ، فإنّ من علم قدرته على كل شيء لا يظنّ ذلك . وإنما تغيّر ذلك يرجع إلى مصلحة العباد ، وأنّ الأليق بهم ، في الوقت المتقدّم ، الحكم المتقدّم . وفي الوقت المتأخّر ، الحكم المتأخّر . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 107 ] أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ( 107 ) أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فهو يملك أموركم ويدبّرها ، وهو أعلم بما يتعبّدكم به من ناسخ أو منسوخ . وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ يلي أموركم وَلا نَصِيرٍ ناصر يمنعكم من العذاب . وقضيّة العلم بما ذكر من الأمور الثلاثة ، هو الجزم والإيقان بأنّه تعالى لا يفعل