محمد جمال الدين القاسمي

360

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

كما تقدم ، فقيل : فإنه ينزل بالهدى والبشرى أيضا . فإن قيل : من شأن الشرط والجزاء الاتصال بالسببية والترتب ، فكيف استقام قوله فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ جزاء للشرط ؟ أجيب بأن قوله فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ تعليل لجواب الشرط ، كما أسلفنا . والمعنى : من عادى جبريل من أهل الكتاب ، فلا وجه لمعاداته ، بل يجب عليه محبته ، فإنه نزل عليك كتابا مصدقا لكتبهم . فلو أنصفوا لأحبوه وشكروا له صنيعه ، في إنزاله ما ينفعهم ، ويصحح المنزل عليهم . وقيل : الجواب محذوف تقديره « فليمت غيظا » . وعليه فلا يكون فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ نائبا عنه . ووجهه أن يقدر الجواب مؤخرا عن قوله فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ ويكون هو تعليلا وبيانا لسبب العداوة ، كأنه قيل : من عاداه ، لأنه نزل على قلبك فليمت غيظا . قال الرضى : كثيرا ما يدخل الفاء على السبب ويكون بمعنى اللام ، قال الله تعالى فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * [ الحجر : 34 ] ، وقيل تقديره : فهو عدو لي وأنا عدوه ، بقرينة الجملة المعترضة المذكورة بعده في وعيدهم ، وهي قوله تعالى : مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ أي من كان عدوا لله لإنزاله فضله على من يشاء أو لأمر آخر . وأفادت الآية غضب الله تعالى لجبريل على من عاداه . وقد روى البخاريّ في صحيحه ، عن أبي هريرة حديثا قدسيا « من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب » « 1 » . وصدّر الكلام بذكر الجليل تفخيما لشأنهم وإيذانا بأن عداوتهم عداوته عز وعلا . وقدم الملائكة على الرسل ، كما قدم الله على الجميع ، لأن عداوة الرسل بسبب نزول الوحي ، ونزوله بتنزيل الملائكة ، وتنزيلهم لها بأمر الله ، فذكر اللّه تعالى ومن بعده على هذا الترتيب ، وإنما خص جبريل وميكائيل بعد ذكر الملائكة لقصد التشريف لهما ، والدلالة على فضلهما ، وإنهما ، وإن كانا من الملائكة ، فقد صارا باعتبار ما لهما من المزية بمنزلة جنس آخر أشرف من جنس الملائكة ، تنزيلا للتغاير الوصفيّ ، منزلة التغاير الذاتيّ ، وللتنبيه على أن معاداة الواحد والكل سواء في الكفر ، واستجلاب العداوة من الله تعالى ، وإن من عادى أحدهم فكأنه عادى الجميع ، إذ

--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : الرقاق ، باب التواضع ونصه : عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « إن اللّه قال : من عادى لي وليّا فقد آذنته بالحرب . وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحبّ إليّ مما افترضت عليه . وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه . فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها . وإن سألني لأعطينه . ولئن استعاذني لأعيذنه . وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته .