محمد جمال الدين القاسمي

358

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

ابن الخطاب ! ذاك صاحبكم فالحق به . قال : فقلت لهم عند ذلك : أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو ، وما استرعاكم من حقه ، وما استودعكم من كتابه ، أتعلمون أنه رسول الله ؟ قال : فسكتوا . قال : فقال لهم عالمهم وكبيرهم : إنه قد عظّم عليكم فأجيبوه . قالوا : أنت عالمنا وسيدنا ، فأجبه أنت . قال : أمّا إذ نشدتنا به . فإنا نعلم أنه رسول اللّه . قال : قلت ويحكم ، إذا هلكتم . قالوا : إنا لم نهلك . قال : قلت : كيف ذلك وأنتم تعلمون أنه رسول الله ثم لا تتبعونه ولا تصدقونه ؟ قالوا : إن لنا عدوّا من الملائكة وسلما من الملائكة . وإنه قرن به عدونا من الملائكة . قال : قلت : ومن عدوكم ، ومن سلمكم . قالوا : عدونا جبريل ، وسلمنا ميكائيل . قال : قلت : وفيم عاديتم جبريل ؟ وفيم سالمتم ميكائيل ؟ قالوا : إن جبريل ملك الفظاظة والغلظة والإعسار ، والتشديد والعذاب ، ونحو هذا . وإن ميكائيل ملك الرأفة والرحمة والتخفيف ، ونحو هذا . قال : قلت : وما منزلتهما من ربهما ؟ قالوا : أحدهما عن يمنيه والآخر عن يساره ، قال : قلت : فوالله الذي لا إله إلا هو إنهما والذي بينهما لعدوّ لمن عاداهما وسلم لمن سالمهما ، ما ينبغي لجبريل أن يسالم عدوّ ميكائيل ، وما ينبغي لميكائيل أن يسالم عدوّ جبريل . قال : ثم قمت فاتبعت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فلحقته وهو خارج من مخرفة لبني فلان . فقال لي : يا ابن الخطاب ، ألا أقرئك آيات نزلن ؟ فقرأ عليّ قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ حتى قرأ الآيات . قال : قلت : بأبي وأمي أنت يا رسول اللّه ، والذي بعثك بالحق ، لقد جئت وأنا أريد أن أخبرك بالخبر ، فأسمع اللطيف الخبير قد سبقني إليك بالخبر . ورواه مختصرا ابن أبي حاتم أيضا ، وفيه انقطاع ، فإن الشعبيّ لم يدرك زمان عمر رضي اللّه عنه . كذا قاله الحافظ ابن كثير ، وساقه أيضا الواحديّ ، وزاد في آخره : قال عمر : فلقد رأيتني في دين الله أشد من حجر . قال العلامة البقاعيّ : وقد روى هذا الحديث أيضا إسحاق بن راهويه في مسنده عن الشعبيّ ، عن عمر رضي الله عنه . قال شيخنا البوصيريّ : وهو مرسل صحيح الإسناد ، انتهى . وثمّ روايات متنوعات ساقها ابن كثير في تفسيره ، لا نطوّل كتابنا بسردها ، ومرجعها واحد . فإن قيل : بين رواية البخاريّ الأولى وما بعدها تناف . فالجواب : لا منافاة ، لأن قراءته صلّى اللّه عليه وسلّم لها في محاورة عبد الله بن سلام ، ردّا لقول اليهود ، لا يستلزم نزولها حينئذ . فإن المعتمد في سبب نزولها غير قصة عبد الله بن سلام مما سلف