محمد جمال الدين القاسمي
349
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
بالهدى . وتنكيره للتفخيم . ونعته بقوله مِنْ عِنْدِ اللَّهِ للتشريف مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ من التوراة . وجواب « لما » محذوف دل عليه جواب « لما » الثانية . وعليه ، فقوله تعالى : وَكانُوا إلخ . . جملة معطوفة على الشرطية ، عطف القصة على القصة . وقيل : جوابها كفروا . ولمّا الثانية تكرار للأولى ، فلا تحتاج إلى جواب . وقيل : كفروا جواب للأولى والثانية لأن مقتضاهما واحد . وعلى الوجهين فجملة قوله وَكانُوا مِنْ قَبْلُ أي قبل مجيئه يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا جملة حالية مفيدة لكمال مكابرتهم وعنادهم . والاستفتاح : الاستنصار أي طلب النصر ، أي يطلبون من الله النصر على المشركين لما أنهم كانوا مستذلين في جزيرة العرب ، ولذا كانوا يحالفون بعض القبائل تعزّزا بهم على ما تقدم فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا صحته وصدقه . كان من حقهم أن يسارعوا إلى الإيمان به لظفرهم بأمنيتهم حينئذ ، وهو انتصارهم على المشركين وحصول العزة لهم مع المؤمنين . ولكن كَفَرُوا بِهِ أي امتنعوا من الإيمان به خوفا من زوال رئاستهم وأموالهم . وأصرّوا على الإنكار مع علمهم بحقيقة نبوته . ولذا قال عبد الله بن سلام في قصة إسلامه « 1 » : يا معشر اليهود اتقوا الله . فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنه رسول الله وأنه جاء بحق . رواه البخاريّ في الهجرة . وروى أيضا أن عبد الله بن سلام لما بلغه مقدم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أتاه فقال : إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبيّ . فلما أجابه عنها قال : أشهد أنك رسول الله . وسنذكر الحديث بتمامه عند قوله تعالى مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ [ البقرة : 97 ] الآية إن شاء الله تعالى . وقوله فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ اللام فيه للعهد أي عليهم ، ووضع المظهر موضع المضمر للإشعار بأن حلول اللعنة عليهم بسبب كفرهم ، كما أن الفاء للإيذان بترتبها عليه . أو للجنس وهم داخلون في الحكم دخولا أوليّا . إذ الكلام فيهم . وأيّا ما كان فهو محقق لمضمون قوله تعالى : بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 90 ] بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ ( 90 ) بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ « ما » نكرة موصوفة بما بعدها ، منصوبة على التمييز ، مفسرة لفاعل بئس . أي بئس شيئا باعوا به أنفسهم واعتاضوا لها ، فرضوا به
--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : التفسير ، سورة البقرة ، 6 باب قوله : مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ .