محمد جمال الدين القاسمي

346

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

من أن ذلك وصف لهم بما هو طاعة ، وهو التخليص من الأسر ببذل مال أو غيره ، والإيمان بذلك . وذكر أبو مسلم أنه ضد ذلك . والمراد أنكم ، مع القتل والإخراج ، إذا وقع أسير في أيديكم لم ترضوا منه إلا بأخذ مال وإن كان ذلك محرما عليكم ، ثم عنده تخرجونه من الأسر . قال أبو مسلم : والمفسرون ، إنما أتوا من جهة قوله تعالى : أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ وهذا ضعيف لأن هذا القول راجع إلى ما تقدم من ذكر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وما أنزل عليهم . والمراد أنه إذا كان في الكتاب الذي معكم نبأ محمد فجحدتموه فقد آمنتم ببعض الكتب وكفرتم ببعض . وكلا القولين يحتمله لفظ المفاداة ، لأن الباذل عن الأسير يوصف بأنه فأداه . والآخذ منه للتخليص يوصف أيضا بذلك . إلا أن الذي أجمع المفسرون عليه أقرب . لأن عود قوله أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ إلى ما تقدم ذكره في هذه الآية . أولى من عوده إلى أمور تقدم ذكرها بعد آيات . أفاده الرازيّ . فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إشارة إلى الكفر ببعض الكتاب مع الإيمان ببعض . أو إلى ما فعلوا من القتل والإجلاء مع مفاداة الأسارى إِلَّا خِزْيٌ ذلّ وهوان مع الفضيحة . والتنكير للتفخيم . فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وقد فعل سبحانه ذلك ، فقتلت بنو قريظة وأجليت بنو النضير إلى أذرعات وأريحا من الشام . وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ يعني النار وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 86 ] أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ( 86 ) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا أي آثروا الْحَياةَ الدُّنْيا على خساستها . واستبدلوها بِالْآخِرَةِ مع نفاستها . فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ في واحدة من الدارين . وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ قال الحافظ ابن كثير في تفسيره : أنكر تعالى على اليهود الذين كانوا في زمان رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم ، في المدينة ، وما كانوا يعانونه من القتال مع الأوس والخزرج ، وذلك أن الأوس والخزرج وهم الأنصار كانوا في الجاهلية عبّاد أصنام ، وكانت بينهم حروب كثيرة ، وكانت يهود المدينة ثلاث قبائل : بنو قينقاع ، حلفاء الخزرج ، وبنو نضير وبنو قريظة حلفاء الأوس فكانوا ، إذا كانت بين الأوس والخزرج