محمد جمال الدين القاسمي

343

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

تعالى الأمر بالإحسان إليهما ، بعبادته التي هي توحيده ، والبراءة عن الشرك ، اهتماما به وتعظيما له . قال حكيم مصر في تفسيره : العلة الصحيحة في وجوب هذا الإحسان على الولد ، هي العناية الصادقة التي بذلاها في تربيته والقيام بشئونه أيام كان ضعيفا عاجزا جاهلا . لا يملك لنفسه نفعا ولا يدفع عنها ضررا . وكانا يحوطانه بالعناية والرعاية . ويكفلانه ، حتى يقدر على الاستقلال والقيام بشأن نفسه . فهذا هو الإحسان الذي يكون منهما ، عن علم واختيار ، بل مع الشغف الصحيح والحنان العظيم ، وما جزاء الإحسان إلا الإحسان . وإذا وجب على الإنسان أن يشكر ، لكل من يساعده على أمر عسير ، فضله ، ويكافئه بما يليق به على حسب الحال في المساعد ، وما كانت به المساعدة ، فكيف لا يجب أن يكون الشكر للوالدين بعد الشكر لله تعالى ، وهما اللذان كانا يسعدانه على كل شيء ، أيام كان يتعذر عليه كل شيء وَذِي الْقُرْبى أي القرابة . قال الأستاذ الحكيم « الإحسان هو الذي يقوي غرائز الفطرة ، ويوثق الروابط الطبيعية ، حتى تبلغ البيوت ، في وحدة المصلحة ، درجة الكمال . والأمة تتألف من البيوت ، أي العائلات . فصلاحها صلاحها . ومن لم يكن له بيت لا تكون له أمة . وذلك أن عاطفة التراحم وداعية التعاون إنما تكونان على أشدّهما وأكملهما في الفطرة بين الوالدين والأولاد . ثم بين سائر الأقربين . فمن فسدت فطرته حتى لا خير فيه لأهله ، فأي خير يرجى منه للبعداء والأبعدين ؟ ومن لا خير فيه للناس لا يصلح أن يكون جزءا من بنية أمته . لأنه لم تنفع فيه اللحمة النسبية التي هي أقوى لحمة طبيعية تصل بين الناس . فأي لحمة بعدها تصله بغير الأهل فتجعله جزءا منهم ، يسره ما يسرهم ويؤلمه ما يؤلمهم ويرى منفعتهم عين منفعته ، ومضرتهم عين مضرته ؟ قضى نظام الفطرة بأن تكون نعرة القرابة أقوى من كل نعرة ، وصلتها أمتن من كل صلة . فجاء الدين يقدّم حقوق الأقربين على سائر الحقوق . وجعل حقوقهم على حسب قربهم من الشخص . ثم ذكر تعالى حقوق أهل الحاجة من سائر الناس فقال سبحانه وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ . اليتامى جمع يتيم . وهو من مات أبوه وهو صغير . قدم تعالى الوصية به على الوصية بالمسكين ، ولم يقيدها بفقر ولا مسكنة . فعلم أنها مقصودة لذاتها . وقد أكد تعالى في الوحي الوصية باليتيم . وفي القرآن والسنة كثير من هذه الوصايا . وحسبك أن القرآن نهى