محمد جمال الدين القاسمي
319
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
والواجب علينا معرفة العجز عن الوصول إلى جلاله ، وإنما يتقرب إليه بالمتوسطات المقربين لديه ، وهم الروحانيون المطهرون المقدسون جوهرا وفعلا وحالة . أما الجوهر فهم المقدسون عن المواد الجسمانية ، الذين جبلوا على الطهارة ، وفطروا على التقديس والتسبيح ، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون . قالوا فنحن نتقرب إليهم ونتوكّل عليهم ، منهم أربابنا وآلهتنا وشفعاؤنا عند الله ، وهو رب الأرباب . وأما الفعل ، فقالوا : الروحانيات هم الأسباب المتوسطون في الاختراع وتصريف الأمور من حال إلى حال ، يستمدون القوة من الحضرة الإلهية ، ويفيضون الفيض على الموجودات السفلية ، فمنها مدبرات الكواكب السبع السيارة في أفلاكها وهي هياكلها . ولكل روحانيّ هيكل ، ولكل هيكل فلك ، ونسبة الروحانيّ إلى ذلك الهيكل الذي اختصّ به نسبة الروح إلى الجسد ، فهو ربه ومدبره . وكانوا يسمون الهياكل أربابا ، وربما يسمونها آباء ، والعناصر أمهات . ففعل الروحانيات : تحريكها على قدر مخصوص ليحصل من حركاتها انفعالات في الطبائع والعناصر ، فيحصل من ذلك تركيبات وامتزاجات في المركبات ، فيتبعها قوى جسمانية ويركب عليها نفوس روحانية : مثل أنواع النبات وأنواع الحيوان . ثم قد تكون التأثيرات كلّية صادرة عن روحانيّ كلّي ، وقد تكون جزئية صادرة عن روحانيّ جزئيّ . فمع جنس المطر ملك ، ومع كل قطرة ملك . ومنها مدبرات الآثار العلوية الظاهرة في الجوّ مما يصعد من الأرض فينزل ، مثل الأمطار والثلوج والبرد والرياح ، وما ينزل من السماء : مثل الصواعق والشهب ، وما يحدث في الجو من الرعد والبرق والسحاب والضباب وقوس قزح وذوات الأذناب والهالة والمجرة ، وما يحدث في الأرض من الزلازل والمياه والأبخرة ، إلى غير ذلك . قالوا : وأما الحالة ، فأحوال الروحانيات من الروح والريحان والنعمة واللذة والسرور في جوار رب الأرباب كيف يخفى ؟ هذا ملخص ما أفاده العلامة الشهرستانيّ في كتاب - الملل والنحل - ثم ساق مناظرات ومحاورات بين الصابئة والحنفاء جرت في المفاضلة بين الروحاني المحض والبشرية النبوية . وأوردها على شكل سؤال وجواب . فلتنظر ثمّ . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه - في الرد على المنطقيين - إن حرّان كانت دار هؤلاء الصابئة ، وفيها ولد إبراهيم عليه السلام ( أو انتقل إليها من العراق . على اختلاف القولين ) وكان بها هيكل العلّة الأولى . هيكل العقل الأول ، هيكل النفس الكلية ، هيكل زحل . هيكل المشتري . هيكل المريخ ، هيكل الشمس . وكذلك الزهرة وعطارد والقمر . وكان هذا دينهم قبل ظهور النصرانية فيهم . ثم