محمد جمال الدين القاسمي
316
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
الأنبياء . ثم بما يكون منهم من المعاصي التي تخصهم . ثم بما يكون منهم من المعاصي المتعدية إلى الغير ، مثل الاعتداء . وهذا من لطائف أسلوب التنزيل . ثم أعلم تعالى بأن باب التوبة مفتوح على الوجه العامّ لليهود وغيرهم . وأن من ارتكب كبائر الذنوب التي تستوجب الغضب الإلهيّ ، وضرب الذلة والمسكنة ، كما حل باليهود ، إذا آمن وتاب فله في الدنيا والآخرة ما للمؤمنين . وعادة التنزيل جارية بأنه متى ذكر وعد أو وعيد ، عقب بضده ليكون الكلام تاما فقيل : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 62 ] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 62 ) أي إن الذين آمنوا بما دعا إليه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وصاروا من جملة أتباعه . قال في فتح البيان : كأنه سبحانه أراد أن يبين أن حال هذه الملة الإسلامية ، وحال من قبلها من سائر الملل ، يرجع إلى شيء واحد ، وهو أن من آمن منهم بالله واليوم الآخر وعمل صالحا استحق ما ذكره الله من الأجر . ومن فاته ذلك فاته الخير كله ، والأجر دقه وجله . والمراد بالإيمان هاهنا هو ما بينه رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم من قوله ، لما سأله جبريل عليه السّلام عن الإيمان فقال : أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والقدر خيره وشره » « 1 » . ولا يتصف بهذا الإيمان إلا من دخل في الملة الإسلامية . فمن لم يؤمن بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم ولا بالقرآن ، فليس بمؤمن . ومن آمن بهما صار مسلما مؤمنا ، ولم يبق يهوديّا ولا نصرانيّا ولا مجوسيّا . انتهى . قال الراغب في تفسيره : تقدم أن الإيمان يستعمل على وجهين : أحدهما الإقرار بالشهادتين ، الذي يؤمن نفس الإنسان ، وماله عن الإباحة إلا بحق ، وذلك بعد استقرار هذا الدين مختص به كالإسلام . والثاني تحري اليقين فيما يتعاطاه الإنسان من أمر دينه . فقوله إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا عنى به المتدين بدين محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقوله : مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ عنى به المتحري للاعتقاد اليقينيّ ، فهو غير الأول . ولما كانت
--> ( 1 ) أخرجه ابن ماجة في المقدمة ، 9 - باب في الإيمان ، حديث رقم 63 .