محمد جمال الدين القاسمي
312
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
وجوه : على التحية لذلك المكان ، ويحتمل على الشكر له لما أهلك أعداءهم الجبارين ، ويحتمل الكناية عن الصلاة - إذ العرب قد تسمّي السجود ( صلاة ) - كأنّهم أمروا بالصلاة فيها ، ويحتمل أن الأمر بالسجود - لا على حقيقة السجود والصلاة - ولكن أمر بالخضوع له والطاعة والشكر على أياديه ، والله أعلم . وقوله تعالى : وَقُولُوا حِطَّةٌ خبر محذوف ، أي مسألتنا حطة - والأصل النصب - بمعنى : حطّ عنّا ذنوبنا حطّة ، وإنّما رفعت لتعطي معنى الثبات . وقوله سبحانه فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ أي : بدّلوا أمره تعالى لهم - بدخول الأرض مجاهدين - بالإحجام عنه ، وتثبيط الناس . ولذا قال أبو مسلم « قوله تعالى : فَبَدَّلَ يدلّ على أنهم لم يفعلوا ما أمروا به ، لا على أنهم أتوا له ببدل . والدليل عليه : أن تبديل القول قد يستعمل في المخالفة . قال تعالى : سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ - إلى قوله - يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ [ الفتح : 15 ] ولم يكن تبديلهم إلّا الخلاف في الفعل لا في القول . فكذا هنا ، فيكون المعنى : إنهم لما أمروا بدخول الأرض - وما ذكر معه - لم يمتثلوا أمر الله ، ولم يلتفتوا إليه » . وفي تكرير الَّذِينَ ظَلَمُوا زيادة في تقبيح أمرهم ، وإيذان بأنّ إنزال الرجز عليهم لظلمهم . و ( الرجز ) : هو الموت بغتة ، كما تقدّم . قال الراغب : وتخصيص قوله رِجْزاً مِنَ السَّماءِ هو أنّ العذاب ضربان : ضرب قد يمكن - على بعض الوجوه - دفاعه ، أو يظنّ أنه يمكن فيه ذلك ، وهو كلّ عذاب على يد آدميّ ، أو من جهة المخلوقات كالهدم والغرق . وضرب لا يمكن - ولا يظنّ - دفاعه بقوّة آدميّ - كالطاعون ، والصاعقة ، والموت - وهو المعنيّ بقوله : رِجْزاً مِنَ السَّماءِ . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 60 ] وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ( 60 ) هذا تذكير لنعمة أخرى كفروها . وروي في توراتهم أنه ارتحلت كل جماعة بني إسرائيل من برية سينا بأمره تعالى ، وحلوا في رقادين ، ولم يكن هناك ماء