محمد جمال الدين القاسمي

308

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

آلات الجسم . صوتا كان ذلك أو نارا . أو زلزلة أو رجفا ( قال ) ومما يدل على أنه قد يكون مصعوقا وهو حيّ غير ميت قول اللّه عز وجل وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً يعني مغشيا عليه . ومنه قول جرير : وهل كان الفرزدق غير قرد * أصابته الصّواعق فاستدارا فقد علم أن موسى لم يكن ، حين غشي عليه وصعق ، ميتا . لأن الله ، جل وعز ، أخبر عنه أنه لما أفاق قال : تبت إليك . ولا شبّه جرير الفرزدق ، وهو حيّ ، بالقرد ميتا ، ولكن معنى ذلك ما وصفناه . وقوله تعالى : وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ أي إلى تلك الصاعقة . وقوله تعالى : ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ قال الراغب الأصبهانيّ في تفسيره : البعث إرسال المبعوث من المكان الذي فيه . لكن فرق بين تفاسيره بحسب اختلاف المعلق به ، فقيل : بعثت البعير من مبركه أي أثرته . وبعثته في السير أي هيجته ، وبعث الله الميت أحياه . وضرب البعث على الجند إذا أمروا بالارتحال . وكل ذلك واحد في الحقيقة ، وإنما اختلف لاختلاف صور المبعوثات ( ثم قال ) والموت حمل على المعروف ، وحمل أيضا على الأحوال الشاقة الجارية مجرى الموت ، وليس يقتضى قوله فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ أنهم ماتوا . ألا ترى إلى قوله : وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً لكن الآية تحتمل الأمرين ، وحقيقة ما كان إنما يعتمد فيها على السمع المتعدي عن الاحتمالات . انتهى . وقد يؤيد الثاني آية الأعراف المذكورة وهي وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا ، فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ [ الأعراف : 155 ] ، فالرجفة هي المسماة بالصاعقة هنا ، والتنزيل يفسر بعضه بعضا ، والأصل توافق الآي . وقد ذكر ابن إسحاق والسدّي أن الذين أخذتهم الرجفة هم الذين سألوا موسى رؤية الله جهرة ، وسيأتي في الأعراف بسط ذلك إن شاء الله . دلت الآية على أن طلب رؤيته تعالى في الدنيا مستنكر غير جائز ، ولذا لم يذكر ، سبحانه وتعالى ، سؤال الرؤية إلا استعظمه . وذلك في آيات . منها هذه . ومنها قوله تعالى : يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ ، فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ [ النساء : 153 ] ومنها قوله تعالى : وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا ، لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً [ الفرقان : 21 ] فدلت هذه التهويلات الفظيعة الواردة لطالبيها في الدنيا على امتناعها فيها . وكما