محمد جمال الدين القاسمي
300
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ اللبس الخلط ، وقد يلزمه الاشتباه بين المختلطين . والمعنى لا تخلطوا الحق المنزل بالباطل الذي يخترعونه أو يذكرونه في تأويله حتى يشتبه أحدهما بالآخر ، وقوله وَتَكْتُمُوا مجزوم داخل تحت حكم النهي . وتكرير الحق ، لزيادة تقبيح المنهيّ عنه ، إذ في التصريح باسم الحق ، ما ليس في ضميره ، والتقييد بقوله وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ لزيادة تقبيح حالهم ، إذ الجاهل عسى يعذر ، وقوله وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ الآية ، أمر بلزوم الشرائع عليهم بعد الإيمان . وذلك إقامة الصلاة بأدائها بفروضها ، والمحافظة عليها . وإعطاء الصدقة المفروضة ، والركوع لله ، أي الخضوع لأوامره بإطاعتها . قال ابن جرير : هذا أمر من الله ، جل ثناؤه ، لمن ذكر من أحبار بني إسرائيل ومنافقيها بالإنابة والتوبة إليه ، وبإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والدخول مع المسلمين في الإسلام والخضوع له بالطاعة . ونهي منه لهم عن كتمان ما قد علموه من نبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، بعد تظاهر حججه عليهم ، وبعد الإعذار لهم والإنذار . وبعد تذكيره نعمه إليهم وإلى أسلافهم تعطفا منه بذلك عليهم ، وإبلاغا إليهم في المقدرة . وقد قيل في قوله : وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ حث على إقامة الصلاة في الجماعة لما فيها من تظاهر النفوس في المناجاة . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 44 ] أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 44 ) أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ أي بما فيه لله رضا من القول أو الفعل . وجماع البر كل ما فيه طاعة لله تعالى . والهمزة للتقرير مع التوبيخ والتعجيب من حالهم وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ أي تتركونها من البر كالمنسيات . والمعنى تخالفون ما تأمرون به من ذلك إلى غيره . وقوله وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ تبكيت مثل قوله وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ يعني تتلون التوراة وفيها الوعيد على الخيانة وترك البر ومخالفة القول العمل . أَ فَلا تَعْقِلُونَ توبيخ عظيم بمعنى أفلا تفطنون لقبح ما أقدمتم عليه حتى يصدكم استقباحه عن ارتكابه وكأنكم في ذلك مسلوبو العقول ، لأن العقول تأباه وتدفعه . روى الحافظ ابن كثير الدمشقيّ في تفسيره عن إبراهيم النخعيّ قال : إني لأكره القصص لثلاث آيات : قوله تعالى : أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وقوله :