محمد جمال الدين القاسمي
297
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
الملحدة المبتدعين . والكتاب والسنة يرد هذا القول . وقد استوفى الكلام فيها في « مفتاح دار السعادة » وكتاب « حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح » . الفائدة الثانية : اتفق الناس أن الشيطان كان متوليا إغواء آدم . واختلف في الكيفية . فقال ابن مسعود وابن عباس وجمهور العلماء : أغواهما مشافهة ، ودليل ذلك قوله : هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى [ طه : 120 ] ، وقوله : ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ [ الأعراف : 20 ] ، ومقاسمته لهما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ [ الأعراف : 21 ] . والمقاسمة ظاهرها المشافهة ، ومنهم من قال : كان ذلك بالوسوسة ، كما قال : فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ [ الأعراف : 20 ] ، فإغواؤه إغراؤه بوسواسه وسلطانه الذي جعل له ، كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم » « 1 » . وزعموا أن الشيطان لم يدخل الجنة إلى آدم بعد ما أخرج منها . والوسوسة ، لغة ، حديث النفس والأفكار . وحديث الشيطان بما لا نفع فيه ولا خير ، والكلام الخفيّ . وظاهر الآيات يؤيد القول الأول . الفائدة الثالثة : لم يسمّ الشيطان في الآية ، إذ لا حاجة ماسة إلى اسمه ، كما تقدم في الشجرة . ولما قدم الله تعالى دعوة الناس عموما ، وذكر مبدأهم - دعا بني إسرائيل خصوصا ، وهم اليهود ، لأنهم كانوا أولى الناس بالإيمان بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، لأنهم يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة ، وقد جرى الكلام معهم ( من هنا إلى الآية رقم 142 ) فتارة دعاهم بالملاطفة ، وذكر الإنعام عليهم وعلى آبائهم . وتارة بالتخويف ، وتارة بإقامة الحجة وتوبيخهم على سوء أعمالهم ، وذكر عقوباتهم التي عاقبهم بها ، كما سيأتي تفصيله ، فقال تعالى : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 40 ] يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ( 40 ) يا بَنِي إِسْرائِيلَ أي أولاد يعقوب . وقد هيجهم تعالى بذكر أبيهم إسرائيل ،
--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : الأحكام ، باب الشهادة تكون عند الحاكم في ولايته القضاء أو قبل ذلك الخصم . ونصه : عن عليّ بن الحسين أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أتته صفية بنت حييّ . فلما رجعت انطلق معها . فمر به رجلان من الأنصار فدعاهما فقال : « إنما هي صفية » قالا : سبحان اللّه . قال : « إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم » .