محمد جمال الدين القاسمي

291

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

كان الجنيّ الذي معهم أجدر بأن يتواضع . والقول الأول هو الصحيح الذي عليه جمهور العلماء وصححه البغوي . وأجابوا عن قوله تعالى : إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ أي من الملائكة الذين هم خزنة الجنة . قال ابن القيم : الصواب التفصيل في هذه المسألة ، وأن القولين في الحقيقة قول وحد . فإن إبليس كان مع الملائكة بصورته وليس منهم بمادته وأصله . كان أصله من نار ، وأصل الملائكة من نور . فالنافي كونه من الملائكة ، والمثبت ، لم يتواردا على محل واحد . وكذلك قال شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية في الفتاوي المصرية : وقيل إن فرقة من الملائكة خلقوا من النار . سموا « جنّا » ، لاستتارهم عن الأعين ، فإبليس كان منهم . والدليل على ذلك قوله تعالى : وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً [ الصافات : 158 ] ، وهو قولهم : الملائكة بنات الله ، ولما أخرجه الله من الملائكة جعل له ذرية . سئل الشعبيّ : هل لإبليس زوجة ؟ قال : ذلك عرس لم أشهده ! قال : ثم قرأت هذه الآية ، فعلمت أنه لا يكون له ذرية إلا من زوجة . فقلت : نعم . وقال قوم : ليس له ذرية ولا أولاد ، وذريته أعوانه من الشياطين . الرابع : في قوله تعالى : وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ قولان : أحدهما أنه وقت العبادة كان منافقا ، والثاني أنه كان مؤمنا ثم كفر ، وهذا قول الأكثرين . فقيل في معنى الآية وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ في علم الله ، أي كان عالما في الأزل أنه سيكفر . والذي عليه الأكثرون أن إبليس أول كافر بالله . أو يقال : معنى الآية أنه صار من الذين وافقوه في الكفر بعد ذلك . واختلف الناس بأي سبب كفر إبليس ، لعنه لله . فقالت الخوارج : إنما كفر بمعصية الله ، وكل معصية كفر ، وهذا قول باطل بالكتاب والسنة وإجماع الأمة . وقال آخرون : كفر بترك السجود لآدم ومخالفته أمر الله . وقال آخرون : كفر لأنه خالف الأمر الشفاهي من الله ، فإن الله خاطب الملائكة وأمرهم بالسجود . ومخالفة الأمر الشفاهي أشد قبحا . وقال جمهور الناس : كفر إبليس لأنه أبى السجود واستكبر وعاند وطعن واعتقد أنه محق في تمرده ، واستدل ب أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ * [ الأعراف : 12 ] كما يأتي . فكأنه ترك السجود لآدم . تسفيها لأمر الله وحكمته . وهذا الكبر عبر عنه رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله : « لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر » « 1 » كذا في

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في صحيحه في : الإيمان ، حديث 147 عن عبد اللّه بن مسعود .