محمد جمال الدين القاسمي

287

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

ولما بين سبحانه وتعالى لهم أولا على وجه الإجمال والإبهام . أن في الخليفة فضائل غائبة عنهم ، ليستشرفوا إليها ، أبرز لهم طرفا منها ، ليعاينوه جهرة ، ويظهر لهم بديع صنعه وحكمته ، وتنزاح شبهتهم بالكلية ، فقال : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 31 ] وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 31 ) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها إما بخلق علم ضروريّ بها فيه . أو إلقاء في روعه . وآدم اسم عبرانيّ مشتق من أدمه ، وهي لفظة عبرانية معناها التراب ، لأنه جبل من تراب الأرض . كما أن حوّاء كلمة عبرانية معناها « حيّ » ، وسميت بذلك لأنها تكون أم الأحياء . والمراد بالأسماء ، أسماء كل شيء . قال ابن عباس : هي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس : إنسان ، ودابة ، وأرض ، وسهل ، وبحر ، وجبل ، وحمار ، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها . وفي التوراة مصداق الآية : وهو أنه تعالى صوّر من الأرض كل حيوانات البر ، وكل طيور السماء ، وأحضرها إلى آدم ، لينظر ما يسميها ، وكل ما سماه آدم من نفس حية ، فهو اسمه . وسمى آدم جميع الحيوانات بأساميها وجميع طيور السماء ، وجميع وحوش الأرض . قال ابن جرير : وفي هذه الآيات العبرة لمن اعتبر ، والذكرى لمن ادّكر ، والبيان لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ، عما أودع الله عز وجل في هذا القرآن ، من لطائف الحكم التي تعجز عن أوصافها الألسن . وذلك أن الله جل ثناؤه ، احتج فيه لنبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، على من كان بين ظهرانيّه ، من يهود بني إسرائيل ، باطلاعه إياه من علوم الغيب ، التي لم يكن تعالى أطلع من خلقه إلّا خاصّا ، ولم يكن مدركا علمه إلا بالأنباء والأخبار ، لتتقرر عندهم صحة نبوته ، ويعلموا أن ما آتاهم به فمن عنده . قال الحافظ ابن كثير : وهذا كان بعد سجودهم له ، وإنما قدم هذا الفصل على ذاك ، لمناسبة ما بين هذا المقام ، وعدم علمهم بحكمة خلق الخليفة ، حين سألوا عن ذلك . فأخبرهم تعالى بأنه يعلم ما لا يعلمون ، ولهذا ذكر الله هذا المقام ، عقيب هذا ، ليبين لهم شرف آدم بما فضل عليهم في العلم ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ أي عرض أهل الأسماء ، فالضمير للمسميات المدلول عليها ضمنا فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ