محمد جمال الدين القاسمي

281

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ التفات إلى خطاب المذكورين ، مبنيّ على إيراث ما عدّد من قبائحهم السابقة ، لتزايد السخط الموجب للمشافهة بالتوبيخ والتقريع . والاستفهام إنكاريّ بمعنى إنكار الواقع . واستبعاده ، والتعجيب منه ، لأن معهم ما يصرف عن الكفر ، ويدعو إلى الإيمان وَكُنْتُمْ أَمْواتاً أجساما لا حياة لها عناصر ، وأغذية ، ونطفا ، ومضغا مخلّقة وغير مخلّقة - وإطلاق الأموات على تلك الأجسام الجمادية ، إمّا حقيقة - بناء على أنّ الميت عادم الحياة مطلقا . كما في قوله تعالى : بَلْدَةً مَيْتاً * [ الفرقان : 49 ] و وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ [ يس : 33 ] . أو استعارة ، جريا على أن إطلاق الميت فيما تصح فيه الحياة ، لاجتماعهما في أن لا روح ولا إحساس . فَأَحْياكُمْ بخلق الأرواح ، ونفخها فيكم . وإنما عطفه بالفاء لأنه متصل بما عطف عليه ، غير متراخ عنه ، بخلاف البواقي ثُمَّ يُمِيتُكُمْ عندما تقضى آجالكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ بالنشور ، والبعث ، للحساب والجزاء ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ - بعد الحشر - فيجازيكم بأعمالكم : إن خيرا فخير ، وإن شرّا فشرّ . فما أعجب كفركم مع علمكم بحالتكم هذه . . . ! فإن قيل : إن علموا أنهم كانوا أمواتا فأحياهم ثم يميتهم ، لم يعلموا أنّه يحييهم ثم إليه يرجعون ، فيكف نظم ما ينكرونه ، من الإحياء الأخير والرجع ، في سلك ما يعترفون به من الإحياء الأول والإماتة . . . ؟ قلت : تمكّنهم من العلم بهما - لما نصب لهم من الدلائل - منزل منزلة علمهم في إزاحة العذر . سيّما وفي الآية تنبيه على ما يدلّ على صحتهما . وهو أنّه تعالى لما قدر على إحيائهم أولا ، قدر على أن يحييهم ثانيا . فإنّ بدء الخلق ليس بأهون عليه من إعادته . . ! أو الخطاب ، مع أهل الكتابين . وإنكار اجتماع الكفر - مع القصة التي ذكرها الله تعالى - إمّا لأنها مشتملة على آيات بيّنات تصرفهم عن الكفر ، أو على نعم جسام حقّها أن تشكر ولا تكفر . أو لإرادة الأمرين جميعا . فإنّ ما عدّده آيات ، وهي - مع كونها آيات - من أعظم النعم . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 29 ] هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 29 )