محمد جمال الدين القاسمي

260

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

يكادون يبرزون المفعول إلا في الشيء المستغرب - كنحو قوله : فلو شئت أن أبكي دما لبكيته ، وقوله تعالى : لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا [ الأنبياء : 17 ] . إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ تعليل للشرطيّة ، وتقرير لمضمونها الناطق بقدرته تعالى على إزالة مشاعرهم بالطريق البرهانيّ . تنبيهات : الأول : محصول التمثيلين - غبّ وصف أربابهما بوقوعهم في ضلالتهم التي استبدلوها بالهدى - هو أنه شبّه ، في الأول ، حيرتهم وشدّة الأمر عليهم بما يكابد من طفئت ناره بعد إيقادها في ظلمة الليل . وفي الثاني : شبّه حالهم بحال من أخذتهم السماء في ليلة تكاثف ظلماتها - بتراكم السحب ، وانتساج قطراتها ، وتواتر فيها الرعود الهائلة ، والبروف المخيفة ، والصواعق المختلفة المهلكة ، وهم في أثناء ذلك يزاولون غمرات الموت . وبذلك يعلم أنّ التمثيلين جميعا من جملة التمثيلات المركبة ، وهو الذي تقتضيه جزالة المعاني - لأنه يحصل في النفس من تشبيه الهيئات المركبة ما لا يحصل من تشبيه مفرداتها . فإنك إذا تصورت حال من طفئت ناره بعد إيقادها . . . . إلخ . وحال من أخذتهم السماء . . . إلخ . حصل في نفسك هيئة عجيبة توصلك إلى معرفة حال المنافقين ، على وجه يتقاصر عنه تشبيه المنافق - في التمثيل الأول - بالمستوقد نارا ، وإظهاره الإيمان بالإضاءة ، وانقطاع انتفاعه بانتفاء النار وتشبيه دين الإسلام - في الثاني - بالصيّب ، وما يتعلق به - من شبه الكفار - بالظلمات ، وما فيه - من الوعد والوعيد - بالرعد والبرق ، وما يصيب الكفرة - من الإفزاع والبلايا والفتن - من جهة أهل الإسلام بالصواعق . وأيضا في تشبيه المفردات ، وطيّ ذكر المشبهات تكلّف ظاهر . وأيضا في لفظ ( المثل ) نوع إنباء عن التركيب ، إذ المتبادر منه القصة التي هي في غرابتها كالمثل السائر ، وهي في الهيئة المركبة دون كل واحد من مفرداتها . وأيضا في التمثيل المركب اشتمال على التشبيه في المفردات إجمالا ، مع أمر زائد : هو تشبيه الهيئة بالهيئة ، وإيذانه بأن اجتماع تلك المفردات مستتبع لهيئة عجيبة حقيقة بأن تكون مثلا في الغرابة . التنبيه الثاني : قال الإمام العلامة « ابن القيّم » في كتابه ( اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية ) « في هذه الآية ، شبّه ، سبحانه ، أعداءه المنافقين ، بقوم أوقدوا نارا لتضيء لهم ،