محمد جمال الدين القاسمي

248

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 8 ] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ( 8 ) أصل ناس أناس ، حذفت همزته تخفيفا ، وحذفها مع لام التعريف كاللازم . ويشهد لأصله إنسان ، وأناس ، وأناسيّ ، وإنس . وسموا لظهورهم وأنهم يؤنسون أي يبصرون - كما سمي الجن لاجتنانهم - ولذلك سموا بشرا . وقيل : اشتقاقه من الأنس - ضدّ الوحشة - لأن الإنسان مدنيّ بالطبع . والأوّل أظهر . واعلم أن صفات المنافقين إنما نزلت في السور المدنية . لأن مكّة لم يكن فيها نفاق ، فلما هاجر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم إلى المدينة ، وكان بها الأنصار من الأوس والخزرج ، وكانوا في جاهليتهم يعبدون الأصنام على طريقة مشركي العرب . وبها اليهود - من أهل الكتاب - وهم ثلاث قبائل : بنو قينقاع - حلفاء الخزرج - وبنو النّضير وبنو قريظة - حلفاء الأوس - فلما قدم رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم المدينة ، وأسلم من أسلم من الأنصار من قبيلتي الأوس والخزرج ، وقلّ من أسلم من اليهود - إلا عبد الله بن سلام رضي الله عنه - ولم يكن إذ ذاك نفاق أيضا ، لأنه لم يكن للمسلمين ، بعد ، شوكة تخاف ، بل قد كان عليه الصلاة والسلام وادع اليهود وقبائل كثيرة - من أحياء العرب حوالي المدينة - . فلما كانت وقعة بدر العظمى ، وأظهر الله كلمته ، وأعزّ الإسلام وأهله ، قال عبد الله بن أبيّ بن سلول - وكان رأسا في المدينة ، وهو من الخزرج ، وكان ابن سيد الطائفتين في الجاهلية ، وكانوا قد عزموا على أن يملّكوه عليهم ، فجاءهم الخبر ، وأسلموا ، واشتغلوا عنه ، فبقي في نفسه من الإسلام وأهله . فلما كانت وقعة بدر ، قال : هذا أمر قد توجّه . فأظهر الدخول في الإسلام ، ودخل معه طوائف - ممن هو على طريقته ونحلته - وآخرون من أهل الكتاب ، فمن ثمّ وجد النفاق في أهل المدينة ، ومن حولها من الأعراب . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 9 ] يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ ( 9 ) قال القاشانيّ : المخادعة استعمال الخدع من الجانبين ، وهو إظهار الخير ، واستبطان الشر . ومخادعة الله مخادعة رسوله ، لقوله مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ [ النساء : 80 ] . فخداعهم لله وللمؤمنين إظهار الإيمان والمحبة ، واستبطان