محمد جمال الدين القاسمي
244
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [ يونس : 57 ] . إلى غير ذلك ، مما دلّ على أن النفع به لا يناله إلا الإبرار . والمراد بالمتقين - هنا - من نعتهم الله تعالى بقوله القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 3 ] الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ( 3 ) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ ، أي يصدقون بِالْغَيْبِ ، الغيب في الأصل مصدر غاب . بمعنى استتر واحتجب وخفي . وهو بمعنى الفاعل - كالزور للزائر - أطلق عليه مبالغة ، والمراد به ما لا يقع تحت الحواس ، ولا تقتضيه بداية العقول ، وإنما يعلم بخبر الأنبياء عليهم السلام . والمعنى يؤمنون بما لا يتناوله حسّهم . كذاته تعالى ، وملائكته ، والجنّة ، والنار ، والعرش والكرسيّ ، واللوح ونحوها . وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ ، أي يؤدونها بحدودها وفروضها الظاهرة والباطنة . كالخشوع والمراقبة وتدبر المتلوّ والمقروء . قال الراغب : إقامة الصلاة توفية حدودها ، وإدامتها . وتخصيص الإقامة تنبيه على أنه لم يرد إيقاعها فقط . لهذا ، لم يأمر بالصلاة ولم يمدح بها إلا بلفظ الإقامة نحو أَقِمِ الصَّلاةَ * [ هود : 114 ] ، وقوله وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ [ الإسراء : 78 ] ، و الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ * [ المائدة : 55 ] . ولم يقل : المصلي ، إلا في المنافقين : فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ [ الماعون : 4 - 5 ] ، وذلك تنبيه على أن المصلين كثير والمقيمين لها قليل - كما قال عمر رضي الله عنه : الحاجّ قليل والركب كثير - ولهذا قال عليه السلام « من صلى ركعتين مقبلا بقلبه على ربه خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه » . فذكر مع قوله « صلّى » الإقبال بقلبه على الله تنبيها على معنى الإقامة ، وبذلك عظم ثوابه . وكثير من الأفعال التي حث تعالى على توفية حقه ، ذكره بلفظ الإقامة ، نحو وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ [ المائدة : 66 ] ، ونحو وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ [ الرحمن : 9 ] تنبيها على المحافظة على تعديله . انتهى . فالإقامة من أقام العود إذا قوّمه . و « الصلاة » فعلة من صلّى إذا دعا ، ك « الزكاة » من زكى - وإنما كتبتا بالواو مراعاة للفظ المفخّم - وإنما سمي الفعل المخصوص بها لاشتماله على الدعاء .