محمد جمال الدين القاسمي
239
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
العامة التي كانوا عليها واعتبروا بها ، كما قال تعالى لنبيه يدعوه إلى الاقتداء بمن كان قبله من الأنبياء : أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [ الأنعام : 90 ] حيث بيّن أن القصص إنما هو للعظة والاعتبار . وفي قوله تعالى : غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ تصريح بأن من دون المنعم عليهم فريقان : فريق ضل عن صراط الله ، وفريق جاحده ، وعاند من يدعو إليه ، فكان محفوفا بالغضب الإلهيّ ، والخزي في هذه الحياة الدنيا . وباقي القرآن يفصل لنا في أخبار الأمم هذا الإجمال على الوجه الذي يفيد العبرة ، فيشرح حال الظالمين الذين قاوموا الحق ، وحال الذين حافظوا عليه وصبروا على ما أصابهم في سبيله . فتبين من مجموع ما تقدم : أن الفاتحة قد اشتملت إجمالا على الأصول التي يفصلها القرآن تفصيلا . فكان إنزالها أولا موافقا لسنة الله تعالى في الإبداع ، وعلى هذا تكون الفاتحة جديرة بأن تسمى « أم الكتاب » . الثالثة : مما صح في فضلها من الأخبار : ما رواه البخاريّ في صحيحه عن أبي سعيد بن المعلّى رضي اللّه عنه قال : كنت أصلي في المسجد فدعاني النبي صلى اللّه عليه وسلّم فلم أجبه . فقلت : يا رسول اللّه إني كنت أصلي . فقال : ألم يقل الله اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ ؟ - ثم قال لي : « لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد ؟ » ثم أخذ بيدي ، فلما أراد أن نخرج ، قلت : يا رسول اللّه ألم تقل لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن . قال : « الحمد للّه رب العالمين ، هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته » « 1 » . و روى الإمام أحمد والترمذيّ بإسناد حسن صحيح عن أبي هريرة ، نحوه ، غير أن القصة مع أبيّ بن كعب ، وفي آخره : « والذي نفسي بيده ما أنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها ، إنها السبع المثاني » « 2 » . واستدل بهذا الحديث وأمثاله على تفاضل بعض الآيات والسور على بعض ، كما هو المحكي عن كثير من العلماء منهم : إسحاق بن راهويه ، وأبو بكر بن العربيّ وابن الحضار من المالكية ، وذلك بيّن واضح .
--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : التفسير ، باب ما جاء في فاتحة الكتاب . ( 2 ) أخرجه الإمام أحمد في مسنده . والترمذي في : ثواب القرآن ، باب ما جاء في فضل فاتحة الكتاب .