محمد جمال الدين القاسمي
237
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
الفاتحة مشتملة على مجمل ما في القرآن . وكل ما فيه تفصيل للأصول التي وضعت فيها . ولست أعني بهذا ما يعبرون عنه بالإشارة ودلالة الحروف كقولهم : إن أسرار القرآن في الفاتحة ، وأسرار الفاتحة في البسملة ، وأسرار البسملة في الباء ، وأسرار الباء في نقطتها ! فإن هذا لم يثبت عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم وأصحابه عليهم الرضوان ، ولا هو معقول في نفسه . وإنما هو من مخترعات الغلاة الذين ذهب بهم الغلوّ إلى إعدام القرآن خاصته ، وهي البيان . - قال - : وبيان ما أريد : أن ما نزل القرآن لأجله أمور : أحدها التوحيد : لأن الناس كانوا كلهم وثنيين - وإن كان بعضهم يدّعى التوحيد - ثانيها وعد من أخذ به ، وتبشيره بحسن المثوبة ، ووعيد من لم يأخذ به ، وإنذاره بسوء العقوبة . والوعد يشمل ما للأمة وما للأفراد ، فيعم نعم الدنيا والآخرة وسعادتهما . والوعيد - كذلك - يشمل نقمهما وشقاءهما . فقد وعد اللّه المؤمنين : بالاستخلاف في الأرض ، والعزّة ، والسلطان ، والسيادة . وأوعد المخالفين ، بالخزي والشقاء في الدنيا . كما وعد في الآخرة بالجنة والنعيم وأوعد بنار الجحيم . ثالثها العبادة التي تحيي التوحيد في القلوب وتثبته في النفوس . رابعها بيان سبيل السعادة وكيفية السير فيه الموصل إلى نعم الدنيا والآخرة . خامسها قصص من وقف عند حدود الله تعالى وأخذ بأحكام دينه ، وأخبار الذين تعدوا حدوده ونبذوا أحكام دينه ظهريا لأجل الاعتبار ، واختيار طريق المحسنين . هذه هي الأمور التي احتوى عليها القرآن ، وفيها حياة الناس وسعادتهم الدنيوية والأخروية ، والفاتحة مشتملة عليها إجمالا بغير ما شك ولا ريب . فأمّا التوحيد ففي قوله : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ لأنه ناطق بأن كل حمد وثناء يصدر عن نعمة ما فهو له تعالى ، ولا يصح ذلك إلّا إذا كان سبحانه مصدر كلّ نعمة في الكون تستوجب الحمد ، ومنها نعمة الخلق والإيجاد والتربية والتنمية . ولم يكتف باستلزام العبارة لهذا المعنى فصرّح به بقوله : رَبِّ الْعالَمِينَ . ولفظ « رب » ليس معناه المالك والسيد فقط ، بل فيه معنى التربية والإنماء . وهو صريح بأن كل نعمة يراها الإنسان في نفسه وفي الآفاق منه عزّ وجلّ . فليس في الكون متصرف