محمد جمال الدين القاسمي
228
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
- كما رواه الترمذيّ عن ابن مسعود بإسناد صحيح - وكلاهما صحيح متواتر في السبع . و الدِّينِ الحساب والمجازاة بالأعمال . ومنه : « كما تدين تدان » أي : مالك أمور العالمين كلها في يوم الدين . وتخصيصه بالإضافة إمّا لتعظيمه وتهويله ، أو لبيان تفرده تعالى بإجراء الأمر وفصل القضاء فيه . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الفاتحة ( 1 ) : آية 5 ] إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ( 5 ) قال الطبريّ : أي لك ، اللهم ، نخشع ونذلّ ونستكين . إقرارا لك بالربوبية لا لغيرك - قال - والعبودية عند جميع العرب أصلها الذلة ، وأنها تسمّي الطريق المذلل الذي قد وطئته الأقدام ، وذلّلته السابلة « معبّدا » ومنه قيل للبعير المذلل بالركوب في الحوائج « معبّد » ومنه سمي العبد « عبدا » لذلّته لمولاه انتهى . وفيه إعلام بما صدع به الإسلام من تحرير الأنفس لله تعالى وتخليصها لعبادته وحده . أعني : أن لا يشرك شيئا ما معه ، لا في محبته كمحبته ، ولا في خوفه ، ولا في رجائه ، ولا في التوكل عليه ، ولا في العمل له ، ولا في النذر له ، ولا في الخضوع له ، ولا في التذلل والتعظيم والسجود والتقرب ، فإن كل ذلك إنما يستحقه فاطر الأرض والسماوات وحده . وذلك أن لفظ العبادة يتضمن كمال الذّل بكمال الحب . فلا بد أن يكون العابد محبّا للإله المعبود كمال الحب ، ولا بد أن يكون ذليلا له كمال الذل ، وهما لا يصلحان إلا لله وحده . فهو الإله المستحق للعبادة ، الذي لا يستحقها إلّا هو ، وهي كمال الحب والذل والإجلال والتوكل والدعاء بما لا يقدر عليه إلّا هو ، تعالى . وقد أشار لذلك تقديم المفعول ، فإن فيه تنبيها على ما يجب للعبد من تخصيصه ربّه بالعبادة ، وإسلامه وجهه لله وحده ، لا كما كان عليه المشركون الذين ظهر النبي صلى اللّه عليه وسلّم عليهم ، فقد كانوا متفرقين في عبادتهم ، متشاكسين في وجهتهم : منهم من يعبد الشمس والقمر ، ومنهم من يعبد الملائكة ، ومنهم من يعبد الأصنام ، ومنهم من يعبد الأحبار والرهبان ، ومنهم من يعبد الأشجار والأحجار . . . إلى غير ذلك ، كما بينه القرآن الكريم في قوله تعالى : وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ [ فصلت : 37 ] الآية . وفي قوله تعالى : وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَ هؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ قالُوا