محمد جمال الدين القاسمي

219

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

القلب ، وحصول ما ينفعه ، وكذلك فهم غضبا هو غليان دم القلب طلبا للانتقام ، وكذلك فهم محبة ورضى وكراهة ورحمة مقرونة بخصائص المخلوقين ، فإن ذلك هو السابق إلى فهمه . وهو المشهود في علمه الذي لم تصل معرفته إلى سواه ، ولم يحط علمه بغيره ، ولما كان هو السابق إلى فهمه لم يجد بدّا من نفيه عن الخالق والصفة لم تتجرد في عقله عن هذا اللازم ، فلم يجد بدّا من نفيها . ثم لأصحاب هذا الطريق مسلكان : أحدهما : مسلك التناقض البيّن وهو إثبات كثير من الصفات . ولا يلتفت فيها إلى هذا الخيال ، بل يثبتها مجردة عن خصائص المخلوق - كالعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر وغيرها - فإن كان إثبات تلك الصفات التي نفاها يستلزم المحذور الذي فرّ منه ، فكيف لم يستلزمه إثبات ما أثبته ؟ وإن كان إثبات لا يستلزم محذورا ، فكيف يستلزمه إثبات ما نفاه ؟ وهل في التناقض أعجب من هذا . . ؟ المسلك الثاني : مسلك النفي العام والتعطيل المحض هربا من التناقض ، والتزاما لأعظم الباطل وأمحل المحال ، فإذا ، الحق المحض في الإثبات المحض الذي أثبته الله لنفسه في كلامه ، وعلى لسانه رسوله ، من غير تشبيه ولا تمثيل ، ومن غير تحريف ولا تبديل ، ومنشأ غلط المحرفين إنما هو ظنهم أن ما يلزم الصفة في المحلّ المعين يلزمها لذاتها ، فينفون ذلك اللازم عن اللّه ، فيضطرون ، في نفيه ، إلى نفي الصفة . ولا ريب أنّ الأمور ثلاثة : أمر يلزم الصفة لذاتها من حيث هي ، فهذا لا يجب بل لا يجوز نفيه كما يلزم العلم والسمع والبصر من تعلقها بمعلوم ومسموع ومبصر ، فلا يجوز نفي هذه التعلقات عن هذه الصفات إذ لا تحقق لها بدونها . وكذلك الإرادة ، مثلا ، تستلزم العلم لذاتها فلا يجوز نفي لازمها عنها . وكذلك السمع والبصر والعلم يستلزم الحياة فلا يجوز نفي لوازمها . وكذلك كون المرئيّ مرئياَّ حقيقة له لوازم لا ينفكّ عنها . ولا سبيل إلى نفي تلك اللوازم إلّا بنفي الرؤية . وكذلك الفعل الاختياري له لوازم لا بدّ منها ، فمن نفى لوازمه نفى الفعل الاختياريّ ولا بدّ . من هنا كان أهل الكلام أكثر الناس تناقضا واضطرابا ، فإنهم ينفون الشيء ، ويثبتون ملزومه ، ويثبتون الشيء ، وينفون لازمه ، فتناقض أقوالهم وأدلّتهم ، ويقع السالك خلفهم في الحيرة والشك . ولهذا يكون نهاية أمر أكثرهم الشك والحيرة ، حاشا من هو في خفارة بلادته منهم ، أو من قد خرق تلك الخيالات وقطع تلك