محمد جمال الدين القاسمي

217

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

معناه يعرف من حيث يعرف مقصود المتكلم بكلامه . وهو سبحانه ، مع ذلك ، ليس كمثله شيء في نفسه المقدسة المذكورة بأسمائه وصفاته ، ولا في أفعاله . فكما نتيقن أن الله سبحانه له ذات حقيقة ، وله أفعال حقيقة ، فكذلك له صفات حقيقة ، وهو ليس كمثله شيء لا في ذاته ، ولا في صفاته ، ولا في أفعاله ، وكل ما أوجب نقصا أو حدوثا فإن الله منزّه عنه حقيقة ، وأنه سبحانه مستحق الكمال الذي لا غاية فوقه ، وممتنع عليه الحدوث لامتناع العدم عليه ، واستلزام الحدوث سابقة العدم . ومذهب السلف بين التعطيل وبين التمثيل . فلا يمثلون صفات الله بصفات خلقه ، كما لا يمثلون ذاته بذات خلقه ، ولا ينفون عنه ما وصف به نفسه ، أو وصفه به رسوله ، فيعطلون أسماءه الحسنى وصفاته العليا ، ويحرفون الكلم عن مواضعه ، ويلحدون في أسماء الله وآياته » . روى البيهقي في كتاب « الأسماء والصفات » بإسناد صحيح عن الأوزاعيّ ، قال : « كنّا - والتابعون متوافرون - نقول : إنّ الله ، تعالى ذكره ، فوق عرشه ، ونؤمن بما وردت السنة به من صفاته . فقد حكى الأوزاعيّ - وهو أحد الأئمة الأربعة في عصر تابعي التابعين الذين هم : مالك إمام أهل الحجاز ، والأوزاعيّ إمام أهل الشام ، والليث إمام أهل مصر ، والثوريّ إمام أهل العراق - حكى شهرة هذا القول في زمن التابعين بالإيمان بأن الله فوق العرش ، وبصفاته السمعية ، وإنما قال الأوزاعيّ هذا بعد ظهور مذهب جهم المنكر لكون الله فوق عرشه ، والنافي لصفاته ، ليعرف الناس أن مذهب السلف كان بخلاف هذا . وروى أبو بكر الخلال في كتاب « السنّة » عن الأوزاعيّ ، قال : « سئل مكحول والزهريّ عن تفسير الأحاديث فقالا : أمرّوها كما جاءت » . وروي أيضا عن الوليد بن مسلم قال : « سألت مالك بن أنس ، وسفيان الثوريّ ، والليث بن سعد ، والأوزاعيّ عن الأخبار التي جاءت في الصفات ، فقالوا : أمرّوها كما جاءت » . وفي رواية ، فقالوا : « أمرّوها كما جاءت بلا كيف » . فقولهم رضي الله عنهم « أمرّوها كما جاءت » ردّ على المعطلة ، وقولهم « بلا كيف » ردّ على الممثّلة . والزهريّ ومكحول هما أعلم التابعين في زمانهم . والأربعة الباقون أئمة الدنيا في عصر تابعي التابعين - أفاده شيخ الإسلام ابن تيمية في بعض فتاويه . وقال تلميذه الإمام شمس الدين بن القيّم الدمشقيّ في كتابه « طريق الهجرتين »