محمد جمال الدين القاسمي
215
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
وهم الذين حثهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على السماع والفهم والحفظ والأداء فقال : « نضر الله أمرأ سمع مقالتي فوعاها فأدّاها كما سمعها . . . » « 1 » الحديث . فليت شعري أيتّهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بإخفائه وكتمانه عنهم ؟ ! حاشا منصب النبوة عن ذلك . . ! أو يتهم أولئك الأكابر في فهم كلامه وإدراك مقاصده . . ؟ أو يتهمون في إخفائه وإسراره بعد الفهم ؟ أو يتهمون في معاندته من حيث العمل ومخالفته على سبيل المكابرة ، مع الاعتراف بتفهيمه وتكليفه ؟ فهذه أمور لا يتسع لتقديرها عقل عاقل . . ! الأصل الرابع : أنهم في طول عصرهم إلى آخر أعمارهم ما دعوا الخلق إلى البحث والتفتيش والتفسير والتأويل والتعرّض لمثل هذه الأمور . بل بالغوا في زجر من خاض فيه ، وسأل عنه ، وتكلّم به على ما سنحكيه عنهم ، فلو كان ذلك من الدين أو كان من مدارك الأحكام وعلم الدين لأقبلوا عليه ليلا ونهارا ، ودعوا إليه أولادهم وأهليهم ، وتشمّروا عن ساق الجدّ في تأسيس أصوله ، وشرح قوانينه تشمرا أبلغ من تشمّرهم في تمهيد قواعد الفرائض والمواريث . فنعلم - بالقطع من هذه الأصول - أنّ الحقّ ما قالوه ، والصواب ما رأوه . ، وقد أثنى عليهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقال : « خير الناس قرني ، ثم الذين يلونهم ، ثمّ الذين يلونهم » « 2 » و قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « ستفترق أمتي نيّفاً وسبعين فرقة ، الناجية منهم واحدة » « 3 » فقيل : من هم ؟ فقال : « ما أنا عليه الآن وأصحابي » . البرهان الثاني ، وهو التفصيليّ : فنقول :
--> ( 1 ) أخرج ابن ماجة في المقدمة ، باب من بلّغ علما ، حديث 231 ، عن جبير بن مطعم قال : قام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالخيف من منى ، فقال : « نضر اللّه امرأ سمع مقالتي فبلغها . فرب حامل فقه غير فقيه ، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه » . ( 2 ) أخرج البخاري في الشهادات ، باب لا يشهد على شهادة جور إذا أشهد : عن عبد اللّه رضي اللّه عنه ، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجيء أقوام تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته » . ( 3 ) أخرج الترمذي في الإيمان ، باب ما جاء في افتراق هذه الأمة . عن عبد اللّه بن عمرو قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : « ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل . حتى إن كان منهم من أتى أمّه علانية لكان في أمتي من يصنع ذلك . وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة ، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة . كلهم في النار إلا أمة واحدة » . قالوا : ومن هي ؟ يا رسول اللّه . قال : « ما أنا عليه وأصحابي » .