محمد جمال الدين القاسمي

213

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

كانت جميع الأمم تجهلها ، بطريقة لا تقف عثرة في سبيل إيمان أحد به ، في أيّ زمن كان ، مهما كانت معلوماته . فالناس قديما فهموا أمثال هذه الآية بما يوافق علومهم ، حتى إذا كشف العلم الصحيح عن حقائق الأشياء ، علمنا أنهم كانوا واهمين ، وفهمنا معناها الصحيح . فكأنّ هذه الآيات جعلت في القرآن معجزات للمتأخرين ، تظهر لهم كلما تقدّمت علومهم . . . ! وأمّا المعاصرون للنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، فمعجزته لهم : إتيانه بأخبار الأوّلين ، وبالشرائع التي أتى بها ، وبالمغيّبات التي تحقّقت في زمنه . . . وغير ذلك ، مع علمهم بصدقه وحاله ، وبعده عن العلم ، والتعلم بالمشاهدة والعيان . فآيات القرآن - بالنسبة لهم - بعضها معناه صريح لا يقبل التأويل ، وفيها بيان كلّ شيء مما يحتاجون إليه ، والبعض الآخر يقبل التأويل ، وتتشابه عليهم معانيه لنقص علومهم . وهذا القسم لا يهمهم كثيرا ، فإنه خاصّ بعلوم لم يكونوا وصلوا إليها ، وهو معجزات للمتأخرين يشاهدونها ، وتتجلّى لهم كلما تقدّموا في العلم الصحيح . قال تعالى : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ [ آل عمران : 7 ] ، أي : لها معان كثيرة يشبه بعضها بعضا ، وتتشابه عليهم في ذلك الزمن ، فلا يمكنهم الجزم بالصحيح منها : فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ بتشكيك الناس في دينهم بسببه وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ ، وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ في زمنهم لنقص علمهم وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [ الإسراء : 85 ] . وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ . . . إلخ ، فإذا جعل قوله تعالى وَالرَّاسِخُونَ معطوفا على لفظ الجلالة كان المعنى : أنّ تأويله لا يعلمه أحد في جميع الأزمنة إلا الله والراسخون في العلم يعلمونه ، وإذا كان لفظ وَالرَّاسِخُونَ مستأنفا كان المعنى : أنّ الراسخين في العلم في زمنهم لا يعلمون تأويله - كما قلنا - وإنما يؤمنون به لظهور الدلائل الأخرى لهم على صدق النبيّ ، ويفوّضون علم هذه الأشياء إلى المستقبل من الزمان ، كما نفوض الآن نحن ، مسألة رجم الشياطين بالشهب ، للمستقبل ونؤمن بالقرآن لثبوت صدقه بالدلائل الأخرى القطعية » بحروفه . بيان أن الصواب في آيات الصفات هو مذهب السلف قد بسط الكلام في أنّ مذهب السلف هو الحق غير واحد من الأئمة الأعلام . وهو ، وإن كان غنيا في نفسه عن إقامة البرهان ، فقد رأينا أن نورد شذرة مما يؤيد