محمد جمال الدين القاسمي
206
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
والعناية بالوقوف على مراد المتكلم منه . نعم ، إننا لا نتسامى إلى فهم مراد الله تعالى كلّه على وجه الكمال والتمام ، ولكن يمكننا فهم ما نهتدي به بقدر الطاقة ، ويحتاج في هذا إلى علم الإعراب وعلم الأساليب - المعاني والبيان - ولكن مجرّد العلم بهذه الفنون ، وفهم مسائلها ، وحفظ أحكامها ، لا يفيد المطلوب . ترون في كتب العربيّة أنّ العرب كانوا مسدّدين في النطق يتكلمون بما يوافق القواعد قبل أن توضع ! أتحسبون أنّ ذلك كان طبيعيا لهم ؟ كلا ! وإنما هي ملكة مكتسبة بالسماع والمحاكاة ، ولذلك صار أبناء العرب أشدّ عجمة من العجم عندما اختلطوا بهم ، ولو كان طبيعيا ذاتيا لهم لما فقدوه في مدّة خمسين سنة من بعد الهجرة . . . ! ثالثها : علم أحوال البشر : فقد أنزل الله هذا الكتاب وجعله آخر الكتب وبيّن فيه ما لم يبيّنه في غيره . بيّن فيه كثيرا من أحوال الخلق وطبائعه ، والسنن الإلهية في البشر ، وقصّ علينا أحسن القصص عن الأمم وسيرها الموافقة لسنته فيها ، فلا بدّ للناظر في هذا الكتاب من النظر في أحوال البشر في أطوارهم ، وأدوارهم ، ومناشئ اختلاف أحوالهم من قوّة وضعف ، وعزّ وذلّ ، وعلم وجهل ، وإيمان وكفر ، ومن العلم بأحوال العالم الكبير علويّة وسفليّة ، ويحتاج في هذا إلى فنون كثيرة من أهمّها : التاريخ بأنواعه . أجمل القرآن الكلام عن الأمم ، وعن السنن الإلهية ، وعن آياته في السماوات والأرض وفي الآفاق والأنفس ، وهو إجمال صادر عمّن أحاط بكل شيء علما ، وأمرنا بالنظر والتفكّر والسير في الأرض لنفهم إجماله بالتفصيل الذي يزيدنا ارتقاء وكمالا . . . ! ولو اكتفينا من علم الكون بنظرة في ظاهره ، لكنّا كمن يعتبر الكتاب بلون جلده ، لا بما حواه من علم وحكمة . . . ! رابعها : العلم بوجه هداية البشر كلهم بالقرآن . فيجب على المفسّر القائم بهذا الفرض الكفائيّ أن يعلم بما كان عليه الناس في عصر النبوّة من العرب وغيرهم ، لأن القرآن ينادي بأنّ الناس كلهم كانوا في شقاء وضلال ، وأن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بعث لهدايتهم وإسعادهم . . ! وكيف يفهم المفسّر ما قبحته الآيات من عوائدهم على وجه الحقيقة - أو ما يقرب منها - إذا لم يكن عارفا بأحوالهم وما كانوا عليه . هل يكتفي من علماء القرآن - دعاة الدين والمناضلين عنه - بالتقليد بأن يقولوا - تقليدا لغيرهم - إنّ الناس كانوا على باطل ، وإن القرآن دحض أباطيلهم في الجملة ؟ كلا . . . ! خامسها : العلم بسيرة النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه ، وما كانوا عليه من علم وعمل ، وتصرّف في الشؤون دنيويّها وأخرويّها .