محمد جمال الدين القاسمي
204
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
علينا إلّا أن ننظر في كتبهم ، ونستغني بها . . ! هكذا زعم بعضهم ! ! ولو صحّ هذا الزعم ، لكان طلب التفسير عبثا يضيع به الوقت سدى ، وهو - على ما فيه من تعظيم شأن الفقه - مخالف لإجماع الأمة ، من النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم إلى آخر واحد من المؤمنين . . . ! ولا أدري كيف يخطر هذا على بال مسلم . . . ؟ ! الأحكام العملية التي جرى الاصطلاح على تسميتها فقها هي أقلّ ما جاء في القرآن . وإن فيه من التهذيب ودعوة الأرواح إلى ما فيه سعادتها ، ورفعه من حضيض الجهالة إلى أوج المعرفة ، وإرشادها إلى طريقة الحياة الاجتماعية ، ما لا يستغني عنه من يؤمن بالله واليوم الآخر ، وما هو أجدر بالدخول في الفقه الحقيقيّ ، ولا يوجد هذا الإرشاد إلا في القرآن . وفيما أخذ منه ، كإحياء العلوم ، حظّ عظيم من علم التهذيب . ولكن سلطان القرآن على نفوس الذين يفهمونه ، وتأثيره في قلوب الذين يتلونه حقّ تلاوته لا يساهمه فيه كلام ، كما أنّ الكثير من حكمه ومعارفه لم يكشف عنها اللثام ، ولم يفصح عنها عالم ولا إمام . ثمّ إنّ أئمة الدين قالوا : إن القرآن سيبقى حجّة على كل فرد من أفراد البشر إلى يوم القيامة لحديث : « والقرآن حجة لك أو عليك » . ( أول حديث في كتاب الطهارة من صحيح مسلم . عن أبي مالك الأشعريّ ) ولا يعقل هذا إلّا بفهمه والإصابة من حكمته وحكمه . خاطب الله بالقرآن من كان في زمن التنزيل ، ولم يوجه الخطاب إليهم لخصوصية في أشخاصهم ، بل لأنهم من أفراد النوع الإنسانيّ الذي أنزل القرآن لهدايته ، يقول الله تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ * [ النساء : 1 ] ، فهل يعقل أنه يرضى منا بأن لا نفهم قوله هذا ونكتفي بالنظر في قول نظر ناظر فيه ، ولم يأتنا من الله وحي بوجوب اتباعه ، لا جملة ولا تفصيلا . . . ؟ كلا . إنه يجب على كل واحد من الناس أن يفهم آيات الكتاب بقدر طاقته ، لا فرق بين عالم وجاهل ، يكفي العاميّ من فهم قوله تعالى : قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ . . . إلخ [ المؤمنون : 1 - 6 ] ، ما يعطيه الظاهر من الآيات ، وأن الذين جمعت أوصافهم في الآيات الكريمة لهم الفوز والفلاح عند الله تعالى ، ويكفي في معرفة الأوصاف أن يعرف معنى الخشوع ، والإعراض عن اللغو ، وما لا خير فيه ، والإقبال على ما فيه فائدة له دنيوية أو أخروية ، وبذل المال في الزكاة ، والوفاء بالعهد ، وصدق الوعد ، والعفة عن إتيان الفاحشة . وأنّ من فارق ، هذه الأوصاف إلى أضدادها فهو المتعدي حدود