محمد جمال الدين القاسمي
198
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
على تمييز القرآن عن غيره ، وهو مستلزم لذلك . وفيه نظر . ومنها : ما تمسك به العلامة في « نهاية الأصول » ، والحاجبيّ في « مختصره » ، والعضديّ في « شرحه » من أن القراءات السبع « لو لم تكن متواترة لخرج بعض القرآن عن كونه متواترا - كما لك وملك وأشباههما - والتالي باطل فالمقدم مثله . بيان الشرطية أنهما وردا عن القراء السبعة ، وليس تواتر أحدهما أولى من تواتر الآخر ، فإمّا أن يكونا متواترين وهو المطلوب ، أو لا يكون شيء منهما بمتواتر وهو باطل ، وإلّا يخرج عن كونه قرآنا ، وهذا خلف » . وأورد عليه جمال الدين الخونساريّ فقال : « لا يخفى أن دليل وجوب تواتر القرآن - وهو توفر الدواعي على نقله - لو تم إنّما يدل على وجوب تواتره إلى زمان الجمع . وأمّا بعده ، فالظاهر أنهم اكتفوا فيه بتكثير نسخ هذا الكتاب الذي جمع ، بحيث يصير متواترا في كل زمان ، واستغنوا به عن جعل أصل القرآن المنزل متواترا بالحفظ من خارج ، كيف وقد عرفت أن الظاهر أنه لم يقع التواتر في كثير من أبعاض القرآن إلّا بهذا الوجه ، وهو وجوده في هذا الكتاب المتواتر ، على هذا ، فالاستدلال على تواتر القراءات السبع بما ذكره العضديّ ضعيف جدا ، إذ بتواتر ذلك الكتاب - على الوجه المذكور - لا يعلم إلّا تواتر إحدى القراءات لا بعينها . لا خصوص بعضها ولا جميعها . فالظاهر أنه لا بد - في إثبات تواترها - من التفحص والتفتيش في نقلتها ورواتها ، فإن ظهر بلوغهم إلى حد التواتر فهو متواتر وإلّا فلا . والذي ظهر لنا من خارج ، شهرة القراءات السبع دون ما عداها ، وأما بلوغ الجميع أو بعضها حد التواتر فكأنه لا يظهر في هذه الأعصار . وللقول الثاني : على تواتر ما هو من جوهر اللفظ ، الوجه الأخير الذي تمسّك به الجماعة المتقدم إليهم الإشارة لإثبات تواتر السبع ، وعلى عدم تواتر ما هو من قبيل الهيأة - كالمدّ واللين والإمالة وغيرها - ما ذكره بعض من أنّ القرآن هو الكلام ، وصفات الألفاظ - أعني الهيأة - ليست كلاما . وأورد عليه الباغنويّ فقال : « هاهنا بحث ، وهو أنه لا شك أن القرآن هاهنا عبارة عن اللفظ . وكما أنّ الجوهر جزء ماديّ له ، كذلك الهيأة جزء صوريّ له . فإذا ثبت أن القرآن لا بد أن يكون متواترا ثبت أن الهيأة لا بدّ أن تكون متواترة أيضا . ولو سلم أنّ الهيأة ليست جزءا للفظ فلا شك أنها من لوازمه . ولا يمكن نقله بدون نقلها ، فإذا تواتر نقله تواتر نقلها . فإن قلت : نقله لا يستلزم نقلها بخصوصها بل إنما يستلزم نقل إحداهما لا بعينها ، فاللازم تواتر القدر المشترك بين الهيئات ، والظاهر أنّ الهيئات المخصوصة لا يوجب تواترها ، فلا منافاة . قلت : ما ذكر من توفر الدواعي على نقل القرآن لا يجري في الجواهر المخصوصة