محمد جمال الدين القاسمي

185

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

وتسكين حرف وتحريكه ، ونقل حرف إلى آخر مع اتفاق الصورة - . فمن معنى قول النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « أمرت أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف » بمعزل . لأنه معلوم أنه لا حرف من حروف القرآن - مما اختلفت القراء في قراءته بهذا المعنى يوجب المراء به كفر الممارى به ، في قول أحد من علماء الأمة . وقد أوجب عليه الصلاة والسلم بالمراء فيه الكفر من الوجه الذي تنازع فيه المتنازعون إليه ، وتظاهرت عنه بذلك الرواية . سبب الاقتصار على قراءات الأئمة المشهورين لما جمع عثمان رضي الله عنه الناس على حرف واحد ، وأمر بأن يرسل للآفاق مصاحف على ما جمعه ، كما تقدم ، وكانت كتابتها مجردة من الشكل والنقط ، فقرأ أهل كل مصر بما في مصحفهم ، وتلقوا ما فيه عن الصحابة الذين تلقوه من في النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم . وأول من نقط المصحف وشكله الحجاج ، بأمر عبد الملك بن مروان . وقيل أبو الأسود الدؤليّ . وقيل الحسن البصريّ ويحيى بن يعمر . ثم لما كثر الاختلاف فيما يحتمله الرسم ، وقرأ أهل البدع والأهواء بما لا يحل لأحد تلاوته وفاقا لبدعهم . كمن قال من المعتزلة : وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً [ النساء : 164 ] ، بنصب الهاء - رأى المسلمون أن يجمعوا على قراءات أئمة ثقات تجردوا للاعتناء بشأن القرآن العظيم . فاختاروا من كل مصر ، وجّه إليه مصحف ، أئمة مشهورين بالثقة والأمانة بالنقل وحسن كمال الدين ، وكمال العلم . أفنوا عمرهم في القراءة والإقراء ، واشتهر أمرهم وأجمع أهل مصرهم على عدالتهم فيما نقلوا ، والثقة بهم فيما قرءوا ، ولم تخرج قراءاتهم عن خط مصحفهم . فمنهم بالمدينة أبو جعفر وشيبة ، ونافع . وبمكة عبد الله بن كثير وابن محيصن والأعرج . وبالكوفة يحيى بن وثاب وعاصم بن أبي النجود ، والأعمش ، وحمزة ، والكسائيّ ، وبالشام عبد الله بن عامر ، وعطية بن قيس الكلابيّ ، ويحيى بن الحارث الزماريّ . وبالبصرة عبد الله بن أبي إسحاق ، وأبو عمرو ابن العلاء ، وعاصم الجحدريّ ، ويعقوب الحضرميّ . ثم إن القراء بعد ذلك تفرقوا في البلاد وخلفهم أمم بعد أمم . إلا أنهم كان فيهم المتفق وغيره ، فلذا كثر الاختلاف وعسر الضبط ، وشق الائتلاف . وظهر التخليط ، وانتشر التفريط ، واشتبه متواتر القراءات بفاذّها ، ومشهورها بشاذها . فمن ثمّ وضع الأئمة لذلك ميزانا يرجع إليه ، ومعيارا يعول عليه ، وهو السند والرسم والعربية . فكل ما صح سنده واستقام وجهه في العربية ، وأوفق لفظه خط مصحف الإمام فهو من