الشيخ محمد رشيد رضا
22
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ثانيا - إن هذه السنن قد ذكرت في سياق الآيات الدالة على عقيدتي التوحيد والبعث فكان المناسب أن تذكر معها في مواضعها ثالثا - إن العلم التفصيلي بها ليس من مقاصد الوحي الذاتية وانما هو من العلوم التي يصل إليها البشر بكسبهم وبحثهم ، وانما يكون الوحي مرشدا لهم إليها رابعا - لو جمعت هذه الآيات في موضع واحد على أنها بيان تام لجميع أطوار التكوين لتعذر فهمها قبل تحصيل مقدماته بالبحث العلمي ولكانت فتنة لبعض من فهمها بالجملة ، وان دلالة القرآن على كروبة الأرض ودورانها واضحة كآية الأعراف التي أشرنا إليها آنفا ( يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً ) وفي غيرها ولا يزال أكثر المسلمين يجهلونها خامسا - ولو لم يعرض للحضارة العربية الاسلامية من المصائب والفتن الاجتماعية والحربية والشقاق الديني والسياسي ما وقف بترقي العلم والبحث لسبقوا إلى ما وصل اليه غيرهم من الإفرنج بعدهم باتباعهم والجري على آثارهم ، فان المعارف الكونية يمد بعضها بعضا ما لم يعرض لها ما يوقف سيرها هذا وإن مؤلف هذا التفسير الضعيف قد صرح في مقصورته التي نظمها في عهد طلب العلم بطرابلس الشام ، بسنة اللّه تعالى في جعل الأزواج مصدر التكوين العام ، وأشار إلى شواهد ذلك من العلم الحديث وما يناسبه من مولدات الفكر والخيال فقال : تبارك الباريء مبدع الورى * بالحقّ والحكمة عن ظهر غنى « 1 » أحكم ربّي ما براه فانبرى * مستحصف المرير مشدود العرى « 2 » أنشأ في الدّخان كلّ صورة * فسمك السّماء والأرض دحا « 3 »
--> ( 1 ) تعالى الخالق وتزايدت بركاته الذي ابتدأ الخلق على غير مثال سابق ولا اقتداء بأحد وهو غني عنه أتم الغنى وأظهره ( 2 ) أتقن كل ما برأه فكان قويا محكما ، والمرير ما اشتد فتله من الحبال ، والمرة الطاقة والقوة منه ، واستحصفه أحكمه أتم الاحكام ومنه الحصيف الكامل العقل والرأي ( 3 ) سمك السماء رفعها وجعلها سمكا اي سقفا ، ودحا الأرض يدحوها ويدحيها فصلها من السماء وجعلها مستقلة متحركة ، من دحا المطر الحصى عن وجه الأرض اي جرفه ، ودحا الفرس والنعام التراب حوله بما يحفر في الأرض ، ومنه أدحية النعام ما يحفره لبيضه