الشيخ محمد رشيد رضا

20

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الاجرام إلى مادتها الأصلية بقوله تعالى ( 44 : 10 فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ ) وعبر عنه كذلك بالغمام في قوله ( 25 : 25 وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا ) وقوله ( 2 : 210 هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ ) والغمام في اللغة السحاب الرقيق فالدخان والغمام والبخار والسديم كلها مظاهر لهذه المادة اللطيفة ( الماء ) قال حكماؤنا : البخار جسم مركب من أجزاء مائية وهوائية ، والدخان مركب من أجزاء أرضية ونارية وهوائية . والغبار مركب من أجزاء أرضية وهوائية ا ه وأرقه الهباء قال تعالى ( 56 : 4 إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا 5 وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا 6 فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا ) ويصح التعبير بالدخان عن العناصر البسيطة للبخار والدخان كالايدروجين وهو مولد الماء والاكسجين وهو مولد النار ، والاسم العرفي لجنس هذه البسائط ( الغاز ) . والسديم في اللغة الغمام والضباب ، واختاره علماء الفلك على الدخان وغيره ولا مشاحة في الاصطلاح والخلاصة ان التنزيل أرشدنا في كل آية من آيات التكوين التي ذكر فيها عرشه العظيم ، إلي نوع من أنواع ما جعله مصدرا له من سنن التكوين وأنواع التدبير ، وفي آيات التكوين التي لم يذكر فيها العرش أنواع أخرى من سننه ونعمه وحكمه ، ولم تكن العرب ولا شعوب الحضارة والفنون تعرفها ، ومنها ما لم يعرفه علماء الإفرنج الا في عصرنا هذا . من ذلك أصل خلق جميع الاحياء النباتية والحيوانية بالتوالد بين الأزواج المنصوص في قوله في الأرض ( 22 : 5 وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ) وقوله ( 50 : 7 وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ) وقوله ( 26 : 7 أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ) وقوله ( 31 خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ ، وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ) فالزوج البهيج والكريم هو المنبت المنتج . والمراد بالأزواج في هذه الآيات كلها أنها ذكر وأنثى كما قال ( 53 : 45 وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى ) ومثله في آخر سورة القيامة ( 75 : 36 - 39 ) فان قيل إن آخر ما انكشف للبشر من علم التكوين في هذا القرن أن المنشأ