الشيخ محمد رشيد رضا

13

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

اختلاف أنواعها وأنواعه ، فمنها الجنة التي لا ترى بالابصار ، وصغار الحشرات والهوام ، وضخام الأجسام ، والوسطى بين الكبير والصغير ، وأغذية كل نوع مختلفة من نباتية وحيوانية ، وقد أعطى كلا منها خلقه المناسب لمعيشته ، ثم هداه إلى تحصيل غذائه بغريزته ، فمنها ما خلق له خراطيم يمص بها غذاءه من النبات أو دم الحيوان ، وأعطاها من القوة ما إن خرطوم البعوضة الدقيق ليخترق جلد الانسان وما هو أكشف منه من جلود الحيوان ، ومنها ما خلق له مناقير تلتقط الحبوب ، ومنها ما يمضغ النبات بأسنانه مضغا ، وما يبلع الحشرات والطيور والانعام بلعا ، وما له مخالب يمزق بها اللحوم ، وما له براثن يقتل بها كبار الجسوم ، وتفصيل هذا له كتب خاصة من قديمة وحديثة ، وللّه تعالى حكم في خلقها وغذائها عجيبة ، فان خفي عليك أمر تغذي الحيات والسنانير ونحوها من خشاش الأرض وصغارها ، وتغذي الأفاعي الكبرى وسباع الوحش والطير من كبارها ، فأول ما ينبغي لك أن تفكر فيه من حكمتها ، انه لولا ذلك لضاقت الأرض ذرعا بكثرة أحيائها ، أو لأنتنت من كثرة أمواتها ، وإذا أردت زيادة العلم بها وبحكمتها فعليك بالصنفات المدونة فيها ، وقد فتحت هذه الآية وأمثالها لك أبوابها ، وأرشدتك إلى تطلابها ولا يشكلن عليك التعبير عن كفالة اللّه لرزقها بقوله ( على ) وما قيل من دلالتها على الوجوب مع قول المتكلمين انه لا يجب عليه تعالى شيء ، فان الممنوع أن يجب عليه تعالى شيء بايجاب موجب ذي حكم أو سلطان يطالبه به ويحاسبه عليه ، فهذا محال عقلا وشرعا ، وأما ما أوجبه اللّه تعالى من النظام وسنن التدبير العام للمخلوقات بمقتضى علمه وحكمته ومشيئته ، ونفذه بقدرته واختياره في خليقته ، فهو حكمه وقضاؤه وقدره بسلطانه ، لا حكم عليه بسلطان غيره ، وهو كمال مطلق لا شائبة للنقص فيه ولا يشكلن عليك فيها أيضا أن يكون في كل نوع من هذه الدواب حتى الانسان أفراد قد تضيق في وجوههم أبواب الرزق حتى يقضي بعضهم جوعا ، فليس معناها أن اللّه تعالى قد كفل لكل دابة من كل نوع أن يخلق لها ما تغتذي به ، ويوصله إليها بمحض قدرته ، سواء اطلبته بباعث غريزتها أو ما يهديها اليه العلم من أسباب