الشيخ محمد رشيد رضا
11
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
مما قيل في تفسيرها ، على أنه قد يجامع ما قبله فيصدق كل منهما على فريق من الكفار ، ويناسب الأول أن يكون الاستخفاء من اللّه عز وجل ورواه البخاري عن مجاهد ، وروى ابن جرير وغيره عن عبد اللّه بن شداد قال كان أحدهم إذ امر بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ثنى صدره لكي لا يراه فنزلت . وعن أبي رزين قال : كان أحدهم يحني ظهره ويستغني بثوبه ، وعن عطاء الخراساني في قوله ( يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ ) يقول يطأطئون رؤوسهم ، ويحنون ظهورهم ، أي ألا فليعلموا ان ثني صدورهم وتنكيس رؤوسهم ، ليستخفوا من الداعي لهم إلى توحيد ربهم ، أو من ظهور حجته عليهم ، لا يغني عنهم شيئا من ظهور فضيحتهم ، فإنهم حين يستغشون ثيابهم فيغطون بها جميع أبدانهم عند النوم في ظلمة الليل ، ويخلون بخواطرهم وما يبيتون من السوء والمكر ، فان ربهم يعلم ما يسرون منها ليلا ، ثم ما يعلنون نهارا . وعن قتادة قال كانوا يحنون صدورهم لكيلا يسمعوا كتاب اللّه تعالى . قال تعالى أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ وذلك أخفى ما يكون ابن آدم إذا حنى ظهره ، واستغشى بثوبه ، وأضمر همه في نفسه ، فان اللّه لا يخفى ذلك عليه إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ أي إنه تعالى عليم محيط بأسرار الصدور ، وخواطر القلوب ، فهم كالذين قال فيهم ( يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً ) وروي في الآية ما لا يظهر في معناها ولا في قراءتها أنه تفسير لها ، وهو أنها نزلت في أناس كانوا يستحيون أن يتخلوا فيفضوا إلى السماء ، وأن يجامعوا نساءهم فيفضوا إلى السماء ، وممن رواه البخاري عن ابن عباس ، ولعل المراد أنه قال إن هذا يصدق فيهم ، وأقول إن هذا ضرب من مراقبة اللّه تعالى تذكرهم به رؤية السماء في هذه الحالة التي يقتضي الأدب الستر فيها ، وان كان اللّه لا يخفى عليه شيء ، ولا يحجب بصره ثوب ولا ظلمة ليل ، وروي عنه أنه قرأ : ألا إنهم تثنوني صدورهم - بالمشاة الفوقية وبالتحتية - من اثنوني كاحلولى ، وكذا تثنوي كترعوي وفيها قراءات أخرى كلها شاذة لا نعني بنقلها ولا بتوجيهما