الشيخ محمد رشيد رضا

86

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

على مذهبين في اثبات ذلك ونفيه ، وجمهور السلف من الصحابة والتابعين وحفاظ السنة على الاثبات . وهذه المسألة من اغرب مسائل عصبيات المذاهب عند النظار الجدليين ومقلديهم ، وما كان ينبغي لمسلم أن يجعل هذا موضع خلاف لبحث بعض من ينتسب إليهم في مفهوم لفظ الايمان الذي يتحقق باعتقاده الدخول في الملة هل يقبل الزيادة والنقصان في ذاته ؟ أم المراد من هذه الآية وما في معناها متعلق الايمان من العقائد والاحكام التي كانت تشتمل عليها السورة ؟ واستبعاد ان يكون التصديق الذي يكون به الكافر مؤمنا قابلا للزيادة والقصان ، وهي نظرية باطلة ، وقد بينا معنى الآية بما يدل على أن قصر زيادة الايمان فيها على التصديق بزيادة العلم بما تضمنته باطل ، لأن هذا بديهي لا يمكن ان يكون هو الذي سال عنه المنافقون ، ونصوص القرآن الكثيرة صريحة في زيادة الايمان ونقصه ، وكذلك الأحاديث الصحيحة التي صرح فيها الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بأن أقل الايمان وهو المنجي من الخلود في النار كالذرة أو الخردلة من الايمان الكامل الذي لا يمس أهله من عذاب النار شيء ، كالذين وصفهم اللّه بقوله ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ) الخ وقوله ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا ) الخ والتحقيق ان اليقين في الايمان وغيره له درجات متفاوتة في القوة والضعف . واليقين الذي يصح به الايمان هو اليقين اللغوي وهو الاعتقاد الجازم في غير الحسيات والضروريات كما بيناه في مواضع أولها تفسير ( 2 : 3 وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ) وهو درجات ، منها التقليد الجازم ومنها المعلوم بالنظر والاستدلال ، وقد يطرأ عليهما الشك والزوال ، ولولا ذلك ما تصور ارتداد مؤمن عن دينه ، ومنها ما يصير وجدانا ضروريا بشرح الصدر ، والنور الإلهي بكثرة الذكر والفكر والعبادة ، وأما اليقين المنطقي العلم القطعي بالبرهان بأن هذا الشيء كذا مع العلم القطعي باستحالة ان يكون غير كذا ، فهو هو الذي قالوا إنه لا يقبل الزيادة والنقصان ، ولكنه نادر الوقوع في غير الضروريات ولا تتوقف عليه صحة الايمان ، ومع هذا يمكن ان يقال إنه قابل للزيادة في وصفه وطمأنينة القلب به ، وفي ترتب آثاره عليه . ومثال الأول أن ترى شبحا في سدفة الفجر فتعلم انه انسان في انتصاب قامته ثم