الشيخ محمد رشيد رضا

81

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الأقرب اليه في النسب من أهل بلده أم القرى فقال ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) أخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في الآية قال : كان الذين يلونه من الكفار العرب فقاتلهم حتى فرغ منهم - وعن قتادة قال : الأدنى فالأدنى - وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر انه سئل عن غزو الديلم فقال سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول ( قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ ) قال « الروم » اه يعني ان الروم هم المراد بالكفار في الآية لأنهم كانوا عند نزولها في هذه السورة بعد الفراغ من أمر يهود المدينة وخيبرهم الذين يلونهم في تبوك وسائر بلاد الشام وترجيح البدء بالأقرب فالأقرب معقول من وجوه كثيرة كالحاجة والامكان والسهولة والنفقة ، ولذلك كانت القاعدة فيه عامة في الدعوة والقتال والنفقات والصدقات ، وكذا ما يدار في المجلس من شراب ونحوه فكان صلّى اللّه عليه وسلّم يعطي من على يمينه وإن لم يكن أفضل الجالسين ثم الذي يليه فالذي يليه ، وأمر بان يأكل الانسان مما يليه . وانما تطرد القاعدة في الحالة العادية . وأما ما يعرض من ضرورة في كل ذلك فله حكمه فاحكام الضرورات مستثناة في الواجبات والمحرمات والآداب . وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً أي وليجدوا فيكم شدة وخشونة في القتال ومتعلقاته كما تقدم في تفسير آية ( 73 يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ) ( ص 549 ج 10 ) والغلظة على المقاتلين في زمن الحرب من مقتضيات الطبيعة والمصلحة وتنكيرها في الآية يدل على أن لأولي الامر أن يحددوها في كل زمن وكل حال بما يتفق مع المصلحة ، وانما أمروا بها على كونها طبيعية لتقييد ما أمروا به في الأحوال العامة من الرفق والعدل والبر في معاملة الكفار حتى صار ذلك من أخلاق الاسلام . وامر القتال مبني على الشدة والغلظة في كل الأمم وقد حرم فظائعها الاسلام كما تقدم في تفسير سورة الأنفال . وقد بلغت فظائعها عند الإفرنج في هذا العصر ما يخشى ان يفضي إلى تدمير العمران كله وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ له في مراعاة أحكامه وسننه بالمعونة والنصر ، وأهمها ما يجب اتقاؤه في الحرب ، من التقصير في أسباب النصر والغلب ، التي بينها في كتابه ، والتي تعرف بالعلم والتجارب ، كاعداد ما يستطاع من قوة ، والصر والثبات ، والطاعة والنظام ، « تفسير القرآن الحكيم » « 11 » « الجزء الحادي عشر »